كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 1)

وَقَوْلُهُ: فَتابَ عَلَيْكُمْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ وَهُوَ مَحَلُّ التَّذْكِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِلَخْ فَالْمَاضِي مُسْتَعْمَلٌ فِي بَابِهِ مِنَ الْإِخْبَارِ وَقَدْ جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّ الْمَقَامَ لِلتَّكَلُّمِ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْغَيْبَةِ وَرَجَّحَهُ هُنَا سَبْقُ مَعَادِ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ فِي حِكَايَةِ كَلَامِ مُوسَى. وَعُطِفَتِ الْفَاءُ عَلَى مَحْذُوفٍ إِيجَازًا، أَيْ فَفَعَلْتُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ أَوْ فَعَزَمْتُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، عَلَى حَدِّ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشُّعَرَاء:
63] أَيْ فَضَرَبَ، وَعَطَفَ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى تَعْقِيبِ جُرْمِهِمْ بِتَوْبَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ تَأْخِيرِهَا إِلَى مَا بَعْدَ اسْتِئْصَالِ جَمِيعِ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ بَلْ نَسَخَ ذَلِكَ بِقُرْبِ نُزُولِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ بِهِ قَلِيلًا أَوْ دُونَ الْعَمَلِ بِهِ وَفِي ذَلِكَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِمْ إِذْ حَصَلَ الْعَفْوُ عَنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ بِدُونِ تَكْلِيفِهِمْ تَوْبَةً شَاقَّةً بَلِ اكْتِفَاءً بِمُجَرَّدِ نَدَمِهِمْ وَعَزْمِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ لِذَلِكَ.
وَمِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يَكُونَ فَتابَ عَلَيْكُمْ مِنْ كَلَامِ مُوسَى لِمَا فِيهِ مِنْ لُزُومِ حَذْفٍ فِي الْكَلَامِ غَيْرِ وَاضِحِ الْقَرِينَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ تَقْدِيرُهُ فَإِنْ فَعَلْتُمْ يَتُبْ عَلَيْكُمْ فَيَكُونُ مُرَادًا مِنْهُ الِاسْتِقْبَالُ وَالْفَاءُ فَصِيحَةٌ، وَلِأَنَّهُ يُعَرِّي هَذِهِ الْآيَةَ عَنْ مَحَلِّ النِّعْمَةِ الْمُذَكَّرِ بِهِ إِلَّا تَضَمُّنًا.
وَجُمْلَةُ: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ خَبَرٌ وَثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ، وَتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَشُكُّ فِي حُصُولِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي عِظَمِ جُرْمِهِمْ حَالُ مَنْ
يَشُكُّ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا جَمَعَ التَّوَّابَ مَعَ الرَّحِيمِ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ كَانَتْ بِالْعَفْوِ عَنْ زَلَّةِ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ وَهِيَ زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَغْفِرُهَا إِلَّا الْغَفَّارُ، وَبِالنَّسْخِ لِحُكْمِ قَتْلِهِمْ وَذَلِكَ رَحْمَةٌ فَكَانَ لِلرَّحِيمِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ هُنَا وَلَيْسَ هُوَ لمُجَرّد الثَّنَاء.
[55، 56]

[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 55 إِلَى 56]
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)
تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرَى نَشَأَتْ بَعْدَ عِقَابٍ عَلَى جَفَاءِ طَبْعِ فَمَحَلُّ الْمِنَّةِ وَالنِّعْمَةِ هُوَ قَوْلُهُ:
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ، وَمَا قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وَتَأْسِيسٌ لِبِنَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الْبَقَرَة: 51] الْآيَةَ. وَالْقَائِلُونَ هُمْ أَسْلَافُ الْمُخَاطَبِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً.

الصفحة 505