كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 1)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَطْلَقَ الْأَجْرَ عَلَى الثَّوَابِ مَجَازًا لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْمُرَادُ بِهِ نَعِيمُ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ أَجْرًا دُنْيَوِيًّا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَقَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ عِنْدِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْوَعْدِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي تَحْقِيقِ الْإِقْرَارِ فِي قَوْلِهِمْ لَكَ عِنْدِي كَذَا. وَوَجْهُ دِلَالَةِ عِنْدَ فِي نَحْوِ هَذَا عَلَى التَّحَقُّقِ أَنْ عِنْدَ دَالَّةٌ عَلَى الْمَكَانِ فَإِذَا أُطْلِقَتْ فِي غَيْرِ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحِلَّ فِي مَكَانٍ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي لَازِمِ الْمَكَانِ، وَهُوَ وُجُودُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ عَلَى أَنَّ إِضَافَةَ عِنْدَ لِاسْمِ الرَّبِّ تَعَالَى مِمَّا يَزِيدُ الْأَجْرَ تَحَقُّقًا لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ فَلَا يَفُوتُ الْأَجْرُ الْكَائِنُ عِنْدَهُ (¬1) .
وَإِنَّمَا جُمِعَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مُرَاعَاةً لِمَا صَدَّقَ (مَنْ) ، وأفرد شَرطهَا أوصلتها مُرَاعَاةً لِلَفْظِهَا. وَمِمَّا حَسَّنَ ذَلِكَ هُنَا وَجَعَلَهُ فِي الْمَوْقِعِ الْأَعْلَى مِنَ الْبَلَاغَةِ أَنَّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْجَائِزَيْنِ عَرَبِيَّةً فِي مَعَادِ الْمَوْصُولَاتِ وَأَسْمَاءِ الشُّرُوطِ قَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهِ أَنْبَأَ عَلَى قَصْدِ الْعُمُومِ فِي الْمَوْصُولِ أَوِ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ أَتَى بِالضَّمِيرِ الَّذِي فِي صِلَتِهِ أَوْ فِعْلِهِ مُنَاسِبًا لِلَفْظِهِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ ثُمَّ لَمَّا جِيءَ بِالضَّمِيرِ مَعَ الْخَبَرِ أَوِ الْجَوَابِ جُمِعَ
لِيَكُونَ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ فَيَرْتَبِطُ بِاسْمِ (إِنَّ) الَّذِي جِيءَ بِالْمَوْصُولِ أَوِ الشَّرْطِ بَدَلًا مِنْهُ أَوْ خَبَرًا عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الْعَامَّ مُرَادٌ مِنْهُ ذَلِكَ الْخَاصُّ أَوَّلًا، كَأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخْ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَمِلَ إِلَخْ فَلِأُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا أَجْرُهُمْ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ مِمَّا شَمِلَهُ الْعُمُوم على نحوما يَذْكُرُهُ الْمَنَاطِقَةُ فِي طَيِّ بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ لِلْعِلْمِ بِهِ، فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ.
وَقَوْلُهُ: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ قِرَاءَة الْجَمِيع بِالرَّفْعِ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ خَوْفٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ خَوْفُ الْآخِرَةِ. وَالتَّعْبِيرُ فِي نَفْيِ الْخَوْفِ بِالْخَبَرِ الِاسْمِيِّ وَهُوَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لِإِفَادَةِ نَفْيِ جِنْسِ الْخَوْفِ نَفْيًا قَارًّا، لِدِلَالَةِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، وَالتَّعْبِيرِ فِي نَفْيِ خَوْفٍ بِالْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ وَهُوَ
¬_________
(¬1) ذَكرنِي هَذَا التَّقْرِير فِي حَالَة الدَّرْس قصَّة وَهِي أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَفد عَلَيْهِ وَفد من الْعَرَب فيهم رجل من عبس اسْمه شَقِيق، فَمَرض فَمَاتَ قبل أَن يَأْخُذ حباءه فَلَمَّا بلغ ذَلِك النُّعْمَان أَمر بِوَضْع حبائه على قَبره ثمَّ أرسل إِلَى أَهله فَأَخَذُوهُ فَقَالَ النَّابِغَة فِي ذَلِك:
أبقيت للعبسي فضلا ونعمة ... ومحمدة من باقيات المحامد
حباء شَقِيق فَوق أَحْجَار قَبره ... وَمَا كَانَ يحبي قبله قبر وَافد
أَتَى أَهله مِنْهُ حباء ونعمة ... وَرب امْرِئ يسْعَى لآخر قَاعد
الصفحة 540