كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 2)

فَأَمَّا فِي الْأَضْحَى فَيُزَادُ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْفِطْرِ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الْأَضْحَى إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ، وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [الْبَقَرَة: 203] .
[186]

[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 186]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمَلِ السَّابِقَةِ الْمُتَعَاطِفَةِ أَيْ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا ...
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الْبَقَرَة: 185] ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خِطَابِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ تَبْلِيغٍ فَقَالَ: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، أَيِ الْعِبَادَ الَّذِينَ كَانَ الْحَدِيثُ مَعَهُمْ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَتَدْعُونِ فَأَسْتَجِيبُ لَكُمْ إِلَّا أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِيَحْصُلَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يَسْأَلُهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِشَارَةُ إِلَى جَوَابِ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الدُّعَاءِ هَلْ يَكُونُ جَهْرًا أَوْ سِرًّا، وَلِيَكُونَ
نَظْمُ الْآيَةِ مُؤْذِنًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَكْرَمَهُمْ فَقَالَ: وَإِذَا سَأَلُوا عَنْ حَقِّهِمْ عَلَيَّ فَإِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ أُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ، وَجُعِلَ هَذَا الْخَيْرُ مُرَتَّبًا عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالِهِمْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ يَهْجِسُ هَذَا فِي نُفُوسِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَسْمَعُوا الْأَمْرَ بِالْإِكْمَالِ وَالتَّكْبِيرِ وَالشُّكْرِ أَنْ يَقُولُوا: هَلْ لَنَا جَزَاءً عَلَى ذَلِكَ؟ وَأَنَّهُمْ قَدْ يَحْجِمُونَ عَنْ سُؤَالِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلَكَ الصَّرِيحُ بِأَنَّ هَذَا سَيَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَاسْتِعْمَالُ مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ مَعَ مَادَّةِ السُّؤَالِ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِمَا سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ اسْتِعْمَالٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ قَالَ عَلْقَمَةُ:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
وَالْعُلَمَاءُ يَفْتَتِحُونَ الْمَسَائِلَ الْمُهِمَّةَ فِي كُتُبِهِمْ بِكَلِمَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهُوَ اصْطِلَاحُ «الْكَشَّافِ» . وَيُؤَيِّدُ هَذَا تَجْرِيدُ الْجَوَابِ مِنْ كَلِمَةِ قُلْ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مَوَاقِعِ السُّؤَالِ مِنَ الْقُرْآن نَحْو يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ [الْبَقَرَة: 189] ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [الْبَقَرَة: 220] ، مَعَ مَا فِي هَذَا النَّظْمِ الْعَجِيبِ مِنْ زِيَادَةِ إِخْرَاجِ الْكَلَامِ فِي صُورَةِ الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ إِذْ جَاءَ بِحُكْمٍ عَامٍّ

الصفحة 178