كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 2)

أُنْزِلَتْ إِلَيْهِ فِي نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، لِئَلَّا يَكُونَ الْقُرْآنُ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ نَازِلًا بَعْدَ مَقَالَةِ الْمُشْرِكِينَ فَيَشْمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ يَقُولُونَ غَيَّرَ مُحَمَّدٌ قِبْلَتَهُ مِنْ أَجْلِ اعْتِرَاضِنَا عَلَيْهِ فَكَانَ لِمَوْضِعِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا أَفْضَلُ تَمَكُّنٍ وَأَوْثَقُ رَبْطٍ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ نُزُولِهَا قَبْلَ آيَةِ النَّسْخِ وَهِيَ قَوْلُهُ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [الْبَقَرَة: 144] الْآيَاتِ، لِأَنَّ مَقَالَةَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ تَوَقُّعَهَا حَاصِلٌ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَاشِئٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَالْكَعْبَةِ.
فَالْمُرَادُ بِالسُّفَهَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ تَبْيِينُهُ بِقَوْلِهِ مِنَ النَّاسِ، فَقَدْ عُرِفَ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ النَّازِلِ بِمَكَّةَ أَنَّ لَفْظَ النَّاسِ يُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْيَهُودَ أَوْ أَهْلَ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَنَاسَبَ أَنْ يُقَالَ سَيَقُولُونَ بِالْإِضْمَارِ لِأَنَّ ذِكْرَهُمْ لَمْ يَزَلْ قَرِيبًا مِنَ الْآيِ السَّابِقَةِ إِلَى قَوْله: وَلا تُسْئَلُونَ
[الْبَقَرَة: 134، 141] الْآيَةَ. وَيُعَضِّدُنَا فِي هَذَا مَا ذَكَرَ الْفَخْرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَالْحَسَنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّفَهَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ الزَّجَّاجِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُنَافِقِينَ وَقَدْ سَبَقَ وَصْفُهُمْ بِهَذَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ، وَالَّذِي يَبْعَثُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُوَ عَيْنُ الَّذِي يَبْعَثُ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ السُّفَهَاءَ هُنَا هُمُ الْمُنَافِقُونَ.
أَمَّا الَّذِينَ فَسَّرُوا السُّفَهاءُ بِالْيَهُودِ فَقَدْ وَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ مِنْ مَوْقِعِ هَذِهِ الْآيَةِ لِظُهُورِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ نَاشِئٌ عَنْ تَغْيِيرِ الْقِبْلَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَذَلِكَ قَدْ وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِهِ قَبْلَ سَمَاعِ الْآيَةِ النَّاسِخَةِ لِلْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَةُ التِّلَاوَةِ لِلنُّزُولِ فَكَيْفَ يَقُولُ السُّفَهَاءُ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَ حُدُوثِ دَاعٍ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَطْعَنُونَ فِي التَّحَوُّلِ عَنِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ مَسْجِدُهُمْ وَهُوَ قِبْلَتُهُمْ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (¬1) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ حَدِيثَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَوَقَعَ فِيهِ «فَقَالَ السُّفَهَاءُ- وَهُمُ الْيَهُودُ- مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ (¬2) مِنْ
طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَكِنْ قَالَ عِوَضَهَا: «وَكَانَتِ الْيَهُودُ
¬_________
(¬1) انْظُر: «فتح الْبَارِي» لِابْنِ حجر (1/ 502- دَار الْمعرفَة- كتاب الصَّلَاة (31) بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة حَيْثُ كَانَ.
(¬2) الْمصدر السَّابِق (1/ 95) ، دَار الْمعرفَة، كتاب الْإِيمَان (30) بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان.

الصفحة 6