كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 4)

تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ إِذْ قَالُوا: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أَيْ لأهل النَّار من أَنْصَارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الْخِزْيَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً أَرَادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْمُنَادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْكَلَامِ. وَالنِّدَاءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْكَلَامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأَجْلِ الْإِسْمَاعِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النِّدَاءِ- بِكَسْرِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا- وَهُوَ الصَّوْتُ الْمُرْتَفِعُ. يُقَالُ: هُوَ أَنْدَى صَوْتًا أَيْ أَرْفَعُ، فَأَصْلُ النِّدَاءِ الْجَهْرُ بِالصَّوْتِ وَالصِّيَاحُ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ دُعَاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إِلَيْهِ نِدَاءً، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ وَلِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ (يَا) وَ (آ) وَ (أَيَا) وَ (هَيَا) . وَمِنْهُ سُمِّي الْأَذَانُ نِدَاءً، وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِسْمَاعِ وَالدَّعْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، وَيُطْلَقُ النِّدَاءُ عَلَى طَلَبِ الْإِقْبَالِ بِالذَّاتِ أَوْ بِالْفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [فصلت: 104، 105] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ هُنَا لِأَنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النَّاسَ بِنَحْوِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَيَا بَنِي فُلَانٍ وَيَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعَانِي النِّدَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [43] . وَاللَّامُ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ.
وَ (أَنْ) فِي أَنْ آمِنُوا تَفْسِيرِيَّةٌ لِمَا فِي فِعْلِ (يُنَادِي) مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وَجَاءُوا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ فِي (فَآمَنَّا) : لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ وَالسَّبْقِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ دَلِيلُ سَلَامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ وَالْمُكَابَرَةِ، وَقَدْ تَوَسَّمُوا أَنْ تَكُونَ مُبَادَرَتُهُمْ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ: فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا لِأَنَّهُمْ لَمَّا بَذَلُوا كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّبَاعِ الدِّينِ كَانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي الْمَغْفِرَةِ.
وَالْغَفْرُ وَالتَّكْفِيرُ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَادَّةِ الْمُشْتَقَّيْنِ مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ شَاعَ الْغَفْرُ وَالْغُفْرَانُ فِي الْعَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ وَالتَّكْفِيرِ فِي تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأَنَّ الْعِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أَيْ سَتَرَهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ كَفَّارَةُ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ. وَكَفَّارَةُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالذُّنُوبِ
مَا كَانَ قَاصِرًا عَلَى ذَوَاتِهِمْ، وَلِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،

الصفحة 199

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text