كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 4)

وَقَدِ ابتدأوا دُعَاءَهُمْ وَخَلَّلُوهُ بِنِدَائِهِ تَعَالَى: خمس مَرَّات إِظْهَار لِلْحَاجَةِ إِلَى إِقْبَالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَنْجَاهُ اللَّهُ مِمَّا يَخَافُ وَأَعْطَاهُ مَا أَرَادَ»
، واقرأوا: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
[195]

[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 195]
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)
دَلَّتِ الْفَاءُ عَلَى سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ بِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُنَاجَاةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الدُّعَاءِ قَابِلٌ لِلْإِجَابَةِ.
وَ (اسْتَجَابَ) بِمَعْنَى أَجَابَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ:
اسْتَوْقَدَ وَاسْتَخْلَصَ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ، وَعَلِيِّ بْنِ عِيسَى الرَّبَعِيِّ: أَنَّ اسْتَجَابَ أَخَصُّ مِنْ أَجَابَ لِأَنَّ اسْتَجَابَ يُقَالُ لِمَنْ قَبِلَ مَا دُعِيَ إِلَيْهِ، وَأَجَابَ أَعَمُّ، فَيُقَالُ لِمَنْ أَجَابَ بِالْقَبُولِ وَبِالرَّدِّ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِاسْتِجَابَةُ هِيَ التَّحَرِّي لِلْجَوَابِ وَالتَّهَيُّؤُ لَهُ، لَكِنْ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْإِجَابَةِ لِقِلَّةِ انْفِكَاكِهَا مِنْهَا. وَيُقَالُ: اسْتَجَابَ لَهُ وَاسْتَجَابَهُ، فَعُدِّيَ فِي الْآيَةِ بِاللَّامِ، كَمَا قَالُوا: حَمِدَ لَهُ وَشَكَرَ لَهُ، وَيُعَدَّى بِنَفْسِهِ أَيْضًا مِثْلُهُمَا. قَالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الْغَنَوِيُّ، يَرْثِي قَرِيبًا لَهُ:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
وَتَعْبِيرُهُمْ فِي دُعَائِهِمْ بِوَصْفِ رَبَّنا دُونَ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِمَا فِي وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ بِالْمَرْبُوبِ، وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لَهُ، وَمِنَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَلِتَتَأَتَّى الْإِضَافَةُ الْمُفِيدَةُ التَّشْرِيفَ وَالْقُرْبَ، وَلِرَدِّ حُسْنِ دُعَائِهِمْ بِمِثْلِهِ بِقَوْلِهِمْ: «رَبَّنَا، رَبَّنَا» .

الصفحة 202

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text