كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 13)

وَالْمَعْنَى وَلِيَعْلَمُوا مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا اللَّهُ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، أَيْ مَقْصُورٌ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ الْمُوَحَّدَةِ. وَهَذَا قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ وَهُوَ إِضَافِيٌّ، أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَجَاوَزُ تِلْكَ الصِّفَةَ إِلَى صِفَةِ التَّعَدُّدِ بِالْكَثْرَةِ أَوِ التَّثْلِيثِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [سُورَة النِّسَاء: 171] .
وَالتَّذَكُّرُ: النَّظَرُ فِي أَدِلَّةِ صدق الرَّسُول- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام- وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ بِذَوِي الْأَلْبَابِ تَنْزِيلًا لِغَيْرِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا عُقُولَ لَهُمْ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [سُورَة الْفرْقَان: 44] .
وَقَدْ رُتِّبَتْ صِفَاتُ الْآيَاتِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِاسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى تَرْتِيبٍ عَقْلِيٍّ بِحَسْبِ حُصُولِ بَعْضِهَا عَقِبَ بَعْضٍ، فَابْتُدِئَ بِالصِّفَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ حُصُولُ التَّبْلِيغِ. ثُمَّ مَا يَعْقُبُ حُصُولُ التَّبْلِيغِ مِنَ الْإِنْذَارِ ثُمَّ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِمَا فِي خِلَالِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الدَّلَائِلِ. ثُمَّ بِالتَّذْكِيرِ فِي مَا جَاءَ بِهِ ذَلِكَ الْبَلَاغُ وَهُوَ تَفَاصِيلُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ هِيَ جَامع حِكْمَة مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَزَّعَةً عَلَى مَنْ بَلَّغَ إِلَيْهِمْ. وَيَخْتَصُّ الْمُسْلِمُونَ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.

الصفحة 255

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text