كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 14)

وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُؤَكَّدًا بِتَأْكِيدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا، أَيْ عَمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ ضَلَالٍ أَوْ عَمَلِ هدى.
وَالسُّؤَال: كنية عَنِ الْمُحَاسَبَةِ، لِأَنَّهُ سُؤَالٌ حَكِيمٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِنَارَةَ وَلَيْسَ سُؤال استطلاع.
[94]

[سُورَة النَّحْل (16) : آيَة 94]
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94)
لَمَّا حَذَّرَهُمْ مِنَ النّقض الَّذِي يؤول إِلَى اتِّخَاذِ أَيْمَانِهِمْ دَخَلًا فِيهِمْ، وَأَشَارَ بِالْإِجْمَالِ إِلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ فِيهِمْ، أَعَادَ الْكَرَّةَ إِلَى بَيَانِ عَاقِبَةِ ذَلِكَ الصَّنِيعِ إِعَادَةً تُفِيدُ
التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَتَأْكِيدَ التَّحْذِيرِ، وَتَفْصِيلَ الْفَسَادِ فِي الدُّنْيَا، وَسُوءَ الْعَاقِبَةِ فِي الْآخِرَةِ، فَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَتَّخِذُوا تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [سُورَة النَّحْل:
92] ، وَكَانَ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ إِلَى قَوْلِهِ: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَفْصِيلًا لِمَا أُجْمِلَ فِي مَعْنَى الدَّخَلِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ الْمَعْطُوفُ عَلَى التَّفْرِيعِ وَعِيدٌ بِعِقَابِ الْآخِرَةِ.
وَبِهَذَا التَّصْدِيرِ وَهَذَا التَّفْرِيعِ النَّاشِئِ عَنْ جُمْلَةِ وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَارَقَتْ هَذِهِ نَظِيرَتَهَا السَّابِقَةَ بِالتَّفْصِيلِ وَالزِّيَادَةِ فَحُقَّ أَنْ تُعْطَفَ عَلَيْهَا لِهَذِهِ الْمُغَايَرَةِ وَإِنْ كَانَ شَأْنُ الْجُمْلَةِ الْمُؤَكَّدَةِ أَنْ لَا تُعْطَفَ.
وَالزَّلَلُ: تَزَلُّقُ الرِّجْلِ وَتَنَقُّلُهَا مِنْ مَوْضِعِهَا دُونَ إِرَادَةِ صَاحِبِهَا بِسَبَبِ مَلَاسَةِ الْأَرْضِ مِنْ طِينٍ رَطْبٍ أَوْ تَخَلْخُلِ حَصًى أَوْ حَجَرٍ مِنْ تَحْتِ الْقَدَمِ فَيَسْقُطُ الْمَاشِي عَلَى الْأَرْضِ.
وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الصفحة 268

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text