كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 16)

جِيرَتِهِمُ الْكَنْعَانِيِّينَ أَصْهَارَ مُلُوكِهِمْ، وَدَامَ ذَلِكَ الشُّذُوذُ فِيهِمْ إِلَى زَمَنِ عِيسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى إِصْحَاحٌ 10 وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا إِصْحَاحٌ 9 مَا يَقْتَضِي أَنَّ بَلْدَةَ السَّامِرِيِّينَ كَانَتْ مُنْحَرِفَةً عَلَى أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ نَهَى الْحَوَارِيِّينَ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى مَدِينَتِهِمْ.
وَوَقَعَتْ فِي كِتَابِ الْخُرُوجِ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالثَلَاثِينَ زَلَّةٌ كُبْرَى، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ هَارُونَ صَنَعَ الْعِجْلَ لَهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ: «اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَ مُوسَى فِي الْجَبَلِ فَصَنَعَ لَهُمْ عِجْلًا مِنْ ذَهَبٍ» . وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا مِنْ آثَارِ تَلَاشِي التَّوْرَاةِ الْأَصْلِيَّةِ بَعْدَ الْأَسْرِ الْبَابِلِيِّ، وَأَنَّ الَّذِي أَعَادَ كَتْبُهَا لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَمِمَّا نَقْطَعُ بِهِ أَنَّ هَارُونَ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَسُول.
[86]

[سُورَة طه (20) : آيَة 86]
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)
الْغَضَبُ: انْفِعَالٌ لِلنَّفْسِ وَهَيَجَانٌ يَنْشَأُ عَنْ إِدْرَاك مَا يسوؤها وَيُسْخِطُهَا دُونَ خَوْفٍ، وَالْوَصْفُ مِنْهُ غَضْبَانٌ.
وَالْأَسَفُ: انْفِعَالٌ لِلنَّفْسِ يَنْشَأُ مِنْ إِدْرَاكِ مَا يُحْزِنُهَا وَمَا تَكْرَهُهُ مَعَ انْكِسَارِ الْخَاطِرِ.
وَالْوَصْفُ مِنْهُ أَسِفَ. وَقَدِ اجْتَمَعَ الِانْفِعَالَانِ فِي نَفْسِ مُوسَى لِأَنَّهُ يسوؤه وُقُوعُ ذَلِكَ فِي أُمَّتِهِ وَهُوَ لَا يَخَافُهُمْ، فَانْفِعَالُهُ الْمُتَعَلِّقُ بِحَالِهِمْ غَضَبٌ، وَهُوَ أَيْضًا يَحْزُنُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ وَهُوَ فِي
مُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي كَانَ

الصفحة 281

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text