كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 16)

الْحَرِّ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ جَمْعُ النَّظِيرَيْنِ فِي كِلَيْهِمَا، إِذْ جَمْعُ النَّظَائِرِ مِنْ أَسَالِيبِ الْبَدِيعِ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَوْلَا أَنْ عَرَضَ هُنَا مَا أَوْجَبَ تَفْرِيقَ النَّظَائِرِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي تَفْرِيقِ النَّظَائِرِ قِصَّةٌ أَدَبِيَّةٌ طَرِيفَةٌ جَرَتْ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ أَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي ذَكَرَهَا الْمَعَرِّي فِي «مُعْجِزِ أَحْمَدَ» شَرَحِهِ عَلَى «دِيوَانِ أَبِي الطَّيِّبِ» إِجْمَالًا، وَبَسَطَهَا الْوَاحِدِيُّ فِي «شَرْحِهِ عَلَى الدِّيوَانِ» . وَهِيَ: أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ لَمَّا أَنْشَدَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي طَالِعُهَا:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ قَالَ فِي أَثْنَائِهَا يَصِفُ مَوْقِعَةً بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَالرُّومِ فِي ثَغْرِ الْحَدَثِ:
وَقَفْتَ مَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ ... كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهُوَ نَائِم

تمرّ بك الْأَبْطَال كلمى هزيمَة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
فَاسْتَعَادَهَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْشَدَهُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، قَالَ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ:
إِنَّ صَدْرَيِ الْبَيْتَيْنِ لَا يُلَائِمَانِ عَجُزَيْهِمَا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ:
وَقَفْتَ وَمَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ ... وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ

تَمُرُّ بِكَ الْأَبْطَالُ كَلْمَى هَزِيمَةً ... كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهْوَ نَائِمُ
وَأَنْتَ فِي هَذَا مِثْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي قَوْلِهِ:
كَأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلَذَّةٍ ... وَلَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذَاتَ خَلْخَالِ

وَلَمْ أَسْبَأَ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أَقُلْ ... لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إِجْفَالِ
وَوَجْهُ الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَ الْعُلَمَاءُ بِالشِّعْرِ أَنْ يَكُونَ عَجُزُ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي وَعَجُزُ الْبَيْتِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ لِيَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ فَيَكُونَ رُكُوبُ الْخَيْلِ مَعَ

الصفحة 323

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text