كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 20)

أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكهين [المطففين: 31] أَيْ مُنَعَّمِينَ، وَقَالَ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [المزمل: 11] فَيَظْهَرُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانَ مِنْ دَأْبِهِمُ التَّفَاخُرُ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ قَالَ تَعَالَى وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ [هود: 116] وَقَالَ وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ [الْأَنْبِيَاء: 13] فَلَمَّا أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّرَفِ إِنْ هُوَ إِلَّا مَتَاعٌ قَلِيلٌ، قَابَلَ ذَلِكَ بِالنَّعِيمِ الْفَائِقِ الْخَالِدِ الَّذِي أَعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ تُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَحْقِيقَ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّ الثَّانِيَةَ زَادَتِ الْأُولَى بَيَانًا بِأَنَّ مَا أُوتُوهُ زَائِلٌ زَوَالًا مُعَوَّضًا بِضِدِّ الْمَتَاعِ وَالزِّينَةِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
فَمَا صدق مِنَ الْأُولَى هُمُ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ الْوَعْدَ الْحَسَنَ وهم الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا صدق مِنَ الثَّانِيَةِ جَمْعٌ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِنْكَارِ الْمُشَابَهَةِ وَالْمُمَاثَلَةِ الَّتِي أَفَادَهَا كَافُ التَّشْبِيهِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ لَيْسُوا سَوَاءً إِذْ لَا يَسْتَوِي أَهْلُ نَعِيمٍ عَاجِلٍ زَائِلٍ وَأَهْلُ نَعِيمٍ آجِلٍ خَالِدٍ.
وَجُمْلَةُ فَهُوَ لاقِيهِ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيَانِ أَنَّهُ وَعْدٌ مُحَقَّقٌ، وَالْفَاءُ لِلتَّسَبُّبِ.
وَجُمْلَةُ ثُمَّ هُوَ إِلَخْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَهِيَ مِنْ تَمَامِ صِلَةِ الْمَوْصُولِ. وثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ لِبَيَانِ أَنَّ رُتْبَةَ مَضْمُونِهَا فِي الْخَسَارَةِ أَعْظَمُ مِنْ مَضْمُونِ الَّتِي قَبِلَهَا، أَيْ لَمْ تَقْتَصِرْ خَسَارَتُهُمْ عَلَى حِرْمَانِهِمْ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ بَلْ تَجَاوَزَتْ إِلَى التَّعْوِيضِ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
وَمَعْنَى مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَنَّهُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ لِلْجَزَاءِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّوْبِيخُ فِي أَفَلا تَعْقِلُونَ [الْقَصَص: 60] . وَالْمُقَابَلَةُ فِي قَوْلِهِ أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً الْمُقْتَضِيَةُ أَنَّ الْفَرِيقَ الْمُعَيَّنَ مَوْعُودُونَ بِضِدِّ الْحَسَنِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقَ الْمُحْضَرِينَ اخْتِصَارًا كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: 57] وَقَوْلِهِ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: 127، 128] .

الصفحة 155

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text