كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 20)

[38]

[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 38]
وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)
لَمَّا جَرَى ذِكْرُ أَهْلِ مَدْيَنَ وَقَوْمِ لُوطٍ أُكْمِلَتِ الْقَصَصُ بِالْإِشَارَةِ إِلَى عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ قَدْ عُرِفَ فِي الْقُرْآنِ اقْتِرَانُ هَذِهِ الْأُمَمِ فِي نَسَقِ الْقَصَصِ. وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ قِصَّةً عَلَى قِصَّةٍ.
وَانْتِصَابُ عَادًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، تَقْدِيرُهُ: وَأَهْلَكْنَا عَادًا، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى آنِفًا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [العنكبوت: 37] يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْإِهْلَاكِ، قَالَهُ الزَّجَاجُ وَتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِهْلَاكٌ خَاصٌّ مِنْ بَطْشِ اللَّهِ تَعَالَى، فَظَهَرَ تَقْدِيرُ:
وَأَهْلَكْنَا عَادًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرُ فِعْلُ (وَاذْكُرْ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمُقَدَّرٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ قَصَصِ الْقُرْآنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى ضَمِيرِ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [العنكبوت: 37] وَالتَّقْدِيرُ:
وَأَخَذَتْ عَادًا وَثَمُودًا. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت: 3] . وَهَذَا بَعِيدٌ لِطُولِ بُعْدِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ نَجْعَلَهُ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ (وَأَخَذْنَا) يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: 40] لِأَنَّ (كُلًّا) اسْمٌ يَعُمُّ الْمَذْكُورِينَ فَلَمَّا جَاءَ مُنْتَصِبًا بِ أَخَذْنا تَعَيَّنَ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مَنْصُوبٌ بِمِثْلِهِ وَتَنْوِينُ الْعِوَضِ الَّذِي لَحِقَ (كُلًّا) هُوَ الرَّابِطُ وَأَصْلُ نَسْجِ الْكَلَامِ: وَعَادًا وَثَمُودًا وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ إِلَخْ ... كُلُّهُمْ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ.
وَجُمْلَةُ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَوْ هِيَ مُعْتَرِضَةٌ. وَالْمَعْنَى:
تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مُشَاهَدَةِ مَسَاكِنِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا فَأُهْلِكُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ.
وَمَسَاكِنُ عَادٍ وَثَمُودَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَمَنْقُولَةٌ بَيْنَهُمْ أَخْبَارُهَا وَأَحْوَالُهَا وَيَمُرُّونَ عَلَيْهَا فِي أَسْفَارِهِمْ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الشَّامِ.

الصفحة 248

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text