كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 20)

نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: 120] .
فَالْمُرَادُ بِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قَوْمٌ الْإِيمَانُ شَأْنُهُمْ وَسَجِيَّتُهُمْ. وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى مَعْنَى تَمَكُّنِ الْإِيمَانِ مِنْ نُفُوسِهِمْ أُجْرِيَ وَصْفُ الْإِيمَانِ عَلَى كَلِمَةِ (قَوْمٍ) لِيُفِيدَ أَنَّ كَوْنَهُمْ مُؤْمِنِينَ هُوَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. فَالْمُرَادُ: الْمُتَلَبِّسُونَ بِالْإِيمَانِ. وَجِيءَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِيمَانَهُمْ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ وَمُسْتَمِرٌّ مُتَجَدِّدٌ.
وَفِي هَذَا إِعْرَاضٌ عَنِ الْعِبْءِ بِالْمُشْرِكِينَ فِي سَوْقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِمَا يُقْصَدُ فِيهَا مِنَ الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا انْتَفَعَ بِهَا مَنْ آمَنَ وَمَنْ سَيُؤْمِنُ بَعْدَ سَمَاعِهَا.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ، وَهُوَ حَالٌ من ضمير نَتْلُوا، أَوْ صِفَةٌ لِلتِّلَاوَةِ المستفادة من نَتْلُوا.
وَالْحَقُّ: الصِّدْقُ لِأَنَّ الصِّدْقَ حَقٌّ إِذِ الْحَقُّ هُوَ مَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ
السَّلِيمَةِ وَالْأَدْيَانِ القويمة.
ومفعول نَتْلُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ صِفَتُهُ وَهِيَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ فَالتَّقْدِيرُ:
نَتْلُو عَلَيْكَ كَلَامًا مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ.
ومِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ فَإِنَّ الْمَتْلُوَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُ قِصَّةِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ فِي الْوَاقِعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءُ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى لَمْ تُذْكَرْ هُنَا مِثْلُ ذِكْرِ آيَةِ الطُّوفَانِ وَالْجَرَادِ.
وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ اسْمًا بِمَعْنَى (بَعْضَ) فَجَعلهَا مفعول نَتْلُوا. وَجَعَلَ الْأَخْفَشُ مِنْ زَائِدَةً لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ مِنْ تُزَادُ فِي الْإِثْبَاتِ، فَجَعَلَ نَبَإِ مُوسى هُوَ الْمَفْعُولَ جُرَّ بِحَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدَةِ.
وَالنَّبَأُ: الْخَبَرُ المهم الْعَظِيم.

الصفحة 65

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text