كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 23)

وَعَدَمِ تَأَثُّرِهِمْ بِحَيْثُ كَانَ الْقُرْآنُ مُسْتَوْفِيًا لِأَسْبَابِ اهْتِدَاءِ النَّاسِ بِهِ فَكَانُوا مِنْهُمْ مَنِ اهْتَدَى بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْكِتَابُ، أَيْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ هُدَى اللَّهِ، أَيْ دَلِيلُ هُدَى اللَّهِ. وَمَقْصِدُهُ: اهْتَدَى بِهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ اهْتِدَاءَهُ، وَكَفَرَ بِهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ضَلَالَهُ.
فَجُمْلَةُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ تَذْيِيلٌ لِلِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ.
وَمَعْنَى مَنْ يَشاءُ عَلَى تَقْدِيرِ: مَنْ يَشَاءُ هَدْيَهُ، أَيْ مَنْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُهُ، وَهِيَ إِرَادَتُهُ بِأَنَّهُ يَهْتَدِي فَخَلَقَهُ مُتَأَثِّرًا بِتِلْكَ الْمَشِيئَةِ فَقَدَّرَ لَهُ الِاهْتِدَاءَ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ يَشاءُ أَنَّهُ لَا يَهْدِي بِهِ مَنْ لَمْ يَشَأْ هَدْيَهُ وَهُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُقَابَلَةُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ، أَيْ مَنْ لَمْ يَشَأْ هَدْيَهُ فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْ ضَلَالِهِ فَلَا سَبِيلَ لِهَدْيِهِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِي الضَّالِّ لَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي مِنْ شَأْنه الْهدى.
[24]

[سُورَة الزمر (39) : آيَة 24]
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24)
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الثَّنَاءِ عَلَى الْقُرْآنِ فِيمَا مَضَى وَقَوْلِهِ الْآتِي: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الزمر: 27] .
وَجَعَلَهَا الْمُفَسِّرُونَ تَفْرِيعًا عَلَى جُمْلَةِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: 23] بِدَلَالَةِ مَجْمُوعِ الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُهْتَدٍ، وَفَرِيقٍ ضَالٍّ، فَفُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ. وَجَعَلَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا، وَتَقْدِيرُ الْمَحْذُوفِ: كَمَنْ أَمِنَ الْعَذَابَ أَوْ كَمَنْ هُوَ فِي النَّعِيمِ. وَجَعَلُوا الِاسْتِفْهَامَ تَقْرِيرِيًّا أَوْ إِنْكَارِيًّا، وَالْمَقْصُودُ: عَدَمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَنْ هُوَ فِي الْعَذَابِ وَهُوَ الضَّالُّ وَمَنْ هُوَ فِي النَّعِيمِ وَهُوَ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ، وَحُذِفَ حَالُ الْفَرِيقِ الْآخَرِ لِظُهُورِهِ مِنَ الْمُقَابَلَةِ الَّتِي اقْتَضَاهَا الِاسْتِفْهَامُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: 19] وَقَوْلِهِ:

الصفحة 392

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text