كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 28)
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ هُمُ الْأَنْصَارُ.
وَالدَّارُ تُطْلَقُ عَلَى الْبِلَادِ، وَأَصْلُهَا مَوْضِعُ الْقَبِيلَةِ مِنَ الْأَرْضِ. وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْقَرْيَةِ قَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ ثَمُودَ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [الْأَعْرَاف: 78] ، أَيْ فِي مَدِينَتِهِمْ وَهِيَ حِجْرُ ثَمُودَ.
وَالتَّعْرِيفُ هُنَا لِلْعَهْدِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّارِ: يَثْرِبُ، وَالْمَعْنَى الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الدَّارِ.
هَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.
وَالتَّبَوُّءُ: اتِّخَاذُ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الَّتِي يَبُوءُ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا، أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهَا بَعْدَ انْتِشَارِهِ فِي أَعْمَالِهِ. وَفِي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: وَالْإِيمانَ غُمُوضٌ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولا لفعل تبوّؤوا، فَتَأَوَّلَهُ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ الْكَلَامُ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الْإِيمَانِ بِالْمَنْزِلِ وَجَعْلِ إِثْبَاتِ التَّبَوُّءِ تَخْيِيلًا فَيكون فعل تبوأوا مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلُوا الْمَعْطُوفَ عَامِلًا مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، تَقْدِيره:
وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الرَّاجِزِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (¬1) وَقَوْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى:
يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
أَيْ وَمُمْسِكًا رُمْحًا وَهُوَ الَّذِي درج عَلَيْهِ فِي «الْكَشَّافُ» . وَقِيلَ الْوَاوُ لِلْمَعِيَّةِ.
والْإِيمانَ مَفْعُولٌ مَعَهُ.
¬_________
(¬1) هُوَ من شَوَاهِد النَّحْو. وَالْمَشْهُور أَن تَمَامه:
حَتَّى شتت همّالة عَيناهَا.
وَفِي خزانَة الْأَدَب عَن حَاشِيَة الشِّيرَازِيّ واليمني «للكشاف» : أَنه عجز رجزا وَأَن صَدره:
لما حططت الرّجل عَنْهَا وَأَرَادَ.
قَالَ: وَرَأَيْت فِي حَاشِيَة نُسْخَة صَحِيحَة من «صِحَاح الْجَوْهَرِي» أَنه لذِي الرمة وَلم أَجِدهُ فِي ديوانه.
الصفحة 90