كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 30)

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُكَذِّبُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ عَلَى الِالْتِفَاتِ.
وَفِي صِيغَةِ الْمُضَارِعِ مِنْ قَوْلِهِ: تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إِفَادَةُ أَنَّ تَكْذِيبَهُمْ بِالْجَزَاءِ مُتَجَدِّدٌ لَا
يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وَهُوَ سَبَبُ اسْتِمْرَارِ كُفْرِهِمْ.
وَفِي الْمُضَارِعِ أَيْضًا اسْتِحْضَارُ حَالَةِ هَذَا التَّكْذِيبِ اسْتِحْضَارًا يَقْتَضِي التَّعْجِيبَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ لِأَنَّ مَعَهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا لَحِقَهُ أَنْ يُقْلِعَ تَكْذِيبُهُمْ بِالْجَزَاءِ.
وَالدّين: الْجَزَاء.
[10- 12]

[سُورَة الانفطار (82) : الْآيَات 10 إِلَى 12]
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِراماً كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)
عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: 9] تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ.
وَأُكِّدَ الْكَلَامُ بِحَرْفِ إِنَّ وَلَامِ الِابْتِدَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ إِنْكَارًا قَوِيًّا.
ولَحافِظِينَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَمَلَائِكَةٌ حَافِظِينَ، أَيْ مُحْصِينَ غَيْرَ مُضَيِّعِينَ لِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِكُمْ.
وَجُمِعَ الْمَلَائِكَةُ بِاعْتِبَارِ التَّوْزِيعِ عَلَى النَّاسِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ أَحَدٍ مَلَكَانِ قَالَ تَعَالَى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:
17، 18] ، وَقَدْ
رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِ أَعْمَالَهُ»
وَهَذَا بِصَرِيحِ مَعْنَاهُ يُفِيدُ أَيْضًا كِفَايَةً عَنْ وُقُوعِ الْجَزَاءِ إِذْ لَوْلَا الْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ لَكَانَ الِاعْتِنَاءُ بِإِحْصَائِهَا عَبَثًا.
وَأُجْرِيَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ هِيَ: الْحِفْظُ، وَالْكَرَمُ، وَالْكِتَابَةُ، وَالْعلم بِمَا يُعلمهُ النَّاسُ.
وَابْتُدِئَ مِنْهَا بِوَصْفِ الْحِفْظِ لِأَنَّهُ الْغَرَضُ الَّذِي سَبَقَ لِأَجْلِهِ الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ إِثْبَاتُ الْجَزَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ ذُكِرَتْ بَعْدَهُ صِفَاتٌ ثَلَاثٌ بِهَا كَمَالُ الْحِفْظِ وَالْإِحْصَاءِ وَفِيهَا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْمَلَائِكَةِ الْحَافِظِينَ.

الصفحة 179

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text