كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 30)

فَقَدْ
ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَعَنِ الْقُرَظِيِّ «كَانَ بِالْمَدِينَةِ تُجَّارٌ يُطَفِّفُونَ الْكَيْلَ وَكَانَتْ بَيَاعَاتُهُمْ كَسَبَةَ الْقِمَارِ وَالْمُلَامَسَةَ وَالْمُنَابَذَةَ وَالْمُخَاصَرَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السُّوقِ وَقَرَأَهَا، وَكَانَتْ عَادَةً فَشَتْ فِيهِمْ مِنْ زَمَنِ الشِّرْكِ فَلَمْ يَتَفَطَّنْ بَعْضُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَكْلِ مَال النَّاس، فَرَأى إِيقَاظُهُمْ لِذَلِكَ، فَكَانَتْ مُقَدِّمَةً لِإِصْلَاحِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ مَعَ تَشْنِيعِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ وَيَثْرِبَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا التَّطْفِيفَ.
وَمَا أَنْسَبَ هَذَا الْمَقْصِدِ بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِتَطْهِيرِ الْمَدِينَةِ مِنْ فَسَادِ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهَا النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَشْهَدَ فِيهَا مُنْكَرًا عَامًّا فَإِنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ لَا يَخْلُو وَقْتٌ عَنِ التَّعَامُلِ بِهِمَا فِي الْأَسْوَاقِ وَفِي الْمُبَادَلَاتِ.
وَهِيَ مَعْدُودَةٌ السَّادِسَةَ وَالثَمَانِينَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَعَدَدُ آيِهَا سِتّ وَثَلَاثُونَ.

أغراضها
اشْتَمَلَتْ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ التَّطْفِيفِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَتَفْظِيعِهِ بِأَنَّهُ تَحَيُّلٌ عَلَى أَكْلِ مَالِ النَّاسِ فِي حَالِ الْمُعَامَلَةِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً.
وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا سَيُحَاسَبُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَتَهْوِيلُ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِأَنَّهُ وُقُوفٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمْ وَلِيُجَازِيَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَأَنَّ الْأَعْمَالَ مُحْصَاةٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وَوَعِيدُ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ وَالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

الصفحة 188

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text