كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 30)

نُمُوُّهَا انْفَجَرَتْ فَخَرَجَتِ الْبَيْضَةُ فِي قَنَاةٍ تَبْلُغُ بِهَا إِلَى تَجْوِيفِ الرَّحِمِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ بُلُوغُ الْبَيْضَةِ النُّمُوَّ وَخُرُوجُهَا مِنَ الْحُوَيْصَلَةِ فِي وَقْتِ حَيْضِ الْمَرْأَةِ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ الْعُلُوقُ إِذَا بَاشَرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِقُرْبِ انْتِهَاءِ حَيْضِهَا.
وَأَصْلُ مَادَّةِ كِلَا الْمَاءَيْنِ مَادَّةٌ دَمَوِيَّةٌ تَنْفَصِلُ عَنِ الدِّمَاغِ وَتَنْزِلُ فِي عِرْقَيْنِ خَلْفَ الْأُذُنَيْنِ، فَأَمَّا فِي الرَّجُلِ فَيَتَّصِلُ الْعِرْقَانِ بِالنُّخَاعِ، وَهُوَ الصُّلْبُ ثُمَّ يَنْتَهِي إِلَى عِرْقٍ يُسَمَّى الْحَبْلَ الْمَنَوِيَّ مُؤَلَّفٍ مِنْ شَرَايِينَ وَأَوْرِدَةٍ وَأَعْصَابٍ وَيَنْتَهِي إِلَى الْأُنْثَيَيْنِ وَهُمَا الْغُدَّتَانِ اللَّتَانِ تُفْرِزَانِ الْمَنِيَّ فَيَتَكَوَّنُ هُنَالِكَ بِكَيْفِيَّةٍ دُهْنِيَّةٍ وَتَبْقَى مُنْتَشِرَةً فِي الْأُنْثَيَيْنِ إِلَى أَنْ تُفْرِزَهَا الْأُنْثَيَانِ مَادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً وَذَلِكَ عِنْدَ دَغْدَغَةِ وَلَذْعِ الْقَضِيبِ الْمُتَّصِلِ بِالْأُنْثَيَيْنِ فَيَنْدَفِقُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ فَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ خَلْفَ الْأُذُنَيْنِ يَمُرَّانِ بِأَعْلَى صَدْرِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ التَّرَائِبُ لِأَن فِيهِ مَوضِع الثَّدْيَيْنِ وَهُمَا مِنَ الْأَعْضَاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْعُرُوقِ الَّتِي يَسِيرُ فِيهَا دَمُ الْحَيْضِ الْحَامِلُ لِلْبُوَيْضَاتِ الَّتِي مِنْهَا النَّسْلُ، وَالْحَيْضُ يَسِيلُ مِنْ فُوَّهَاتِ عُرُوقٍ فِي الرَّحِمِ، وَهِيَ عُرُوقٌ تَنْفَتِحُ عِنْدَ حُلُولِ إِبَّانِ الْمَحِيضِ وَتَنْقَبِضُ عَقِبَ الطُّهْرِ. وَالرَّحِمُ يَأْتِيهَا عَصَبٌ مِنَ الدِّمَاغِ.
وَهَذَا مِنَ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِهِ لِلَّذِينَ نَزَلَ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ إِشَارَةٌ مُجْمَلَةٌ وَقَدْ بَيَّنَهَا
حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ احْتِلَامِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ: تَغْتَسِلُ إِذَا أَبْصَرَتِ الْمَاءَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَقَالَ: «وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ إِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أشبه أَعْمَامه» .
[8- 10]

[سُورَة الطارق (86) : الْآيَات 8 إِلَى 10]
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (9) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (10)
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: 5] لِأَنَّ السَّامِعَ يَتَسَاءَلُ عَنِ الْمَقْصِدِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِالنَّظَرِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَإِذْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ النَّظَرُ نَظَرَ اسْتِدْلَالٍ فَهَذَا الِاسْتِئْنَافُ الْبَيَانِيُّ لَهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، فَصَارَ

الصفحة 264

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text