كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 30)

الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ» فَتَسْتَوْعِبُ تَفْصِيلَ جِنْسِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُكَرَّرِ، فَإِذَا قُلْتَ: بَيَّنْتُ لَهُ الْكِتَابَ بَابًا بَابًا فَمَعْنَاهُ بَيَّنْتُهُ لَهُ مُفَصَّلًا بِاعْتِبَارِ أَبْوَابِهِ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ أَوْفَى بِحَقِّ الْبَلَاغَةِ فَإِنَّهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى التَّوْكِيدِ وَالتَّوْكِيدُ حَاصِلٌ بِالْمَصْدَرِ الْأَوَّلِ.
وَفِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» : وَقِيلَ: فَبُسِطَتَا بَسْطَةً وَاحِدَةً فَصَارَتَا أَرْضًا لَا تَرَى فِيهَا أَمْتًا
وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ يَعْنِي: أَنَّ الدَّكَّ كِنَايَةٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ مِنْ لَوَازِمِ الدَّكِّ، أَيْ صَارَتِ الْجِبَالُ مَعَ الْأَرْضِ مُسْتَوِيَاتٍ لَمْ يَبْقَ فِيهَا نُتُوءٌ.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ صِفَةَ وَاحِدَةً مَجَازًا فِي تَفَرُّدِ الدَّكَّةِ بِالشِّدَّةِ الَّتِي لَا ثَانِيَ مِثْلَهَا، أَيْ دَكَّةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا بَيْنَ الدَّكَّاتِ فِي الشِّدَّةِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ: هُوَ وَحِيدُ قَوْمِهِ، وَوَحِيدُ دَهْرِهِ، فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: دَكًّا دَكًّا بِهَذَا التَّفْسِيرِ. وَفِيهِ تَكَلُّفٌ إِذْ لَمْ يُسْمَعْ بِصِيغَةِ فَاعِلٍ فَلَمْ يُسْمَعْ:
هُوَ وَاحِدُ قَوْمِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فَ صَفًّا الْأَوَّلُ حَالٌ مِنَ الْمَلَكُ وصَفًّا الثَّانِي لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُفَسِّرُونَ فِي أَنَّهُ مِنَ التَّكْرِيرِ الْمُرَادِ بِهِ التَّرْتِيبُ وَالتَّصْنِيفُ، أَيْ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ، أَوْ خَلْفَ صَفٍّ، أَوْ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ دُونَ صِنْفٍ، قِيلَ:
مَلَائِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ يَكُونُونَ صَفًّا حَوْلَ الْأَرْضِ عَلَى حِدَةٍ.
قَالَ الرَّضِيُّ وَأَمَّا تَكْرِيرُ الْمُنَكَّرِ فِي قَوْلِكَ، قَرَأْتُ الْكِتَابَ سُورَةً سُورَةً، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ تَأْكِيدًا إِذْ لَيْسَ الثَّانِي لِتَقْرِيرِ مَا سَبَقَ بَلْ هُوَ لِتَكْرِيرِ الْمَعْنَى لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ مَعْنًى. وَالْمَعْنَى: جَمِيعُ السُّوَرِ وَصُفُوفًا مُخْتَلِفَةً اهـ. وَشَذَّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ سَكْتَ عَنْهُ. وَلَا يَحْتَمِلُ حَمْلُهُ عَلَى أَنه مفعول مُطلق مُؤَكِّدٌ لِعَامِلِهِ إِذْ لَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ.
وَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إِلَى اللَّهِ إِمَّا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، أَيْ جَاءَ قَضَاؤُهُ، وَإِمَّا اسْتِعَارَةٌ بِتَشْبِيهِ ابْتِدَاءِ حِسَابِهِ بِالْمَجِيءِ.

الصفحة 337

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text