كتاب التحرير والتنوير (اسم الجزء: 30)

وَبِضَمِيمَةِ اسْمِهَا الْمَشْهُورِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَبْلُغُ أَسْمَاؤُهَا اثْنَيْنِ وَعشْرين. وَقَالَ الفيروزآبادىّ فِي «بَصَائِرِ التَّمْيِيزِ» : إِنَّهَا تُسَمَّى الشَّافِيَةَ فَتَبْلُغُ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ اسْمًا.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسَّدِّيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالْقُرَظِيُّ:
هِيَ مَدَنِيَّةٌ وَنُسِبَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمَنْشَأُ هَذَا الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا
فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَرَوَى عُبَيْدٌ الْعَطَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ» فَنَزَلَتْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِهَا»
فَتَكُونُ مَكِّيَّةً.
وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ (أَخَا لَبِيَدٍ) أَتَيَا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَامِرٌ: إِلَامَ تَدْعُونَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ، قَالَ: صِفْهُ لَنَا أَمِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أَمْ مِنْ فِضَّةٍ، أَمْ مِنْ حَدِيدٍ، أَمْ مِنْ خَشَبٍ؟ (يَحْسَبُ لِجَهْلِهِ أَنَّ الْإِلَهَ صَنَمٌ كَأَصْنَامِهِمْ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حِجَارَةٍ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ
، فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً لِأَنَّهُمَا مَا أَتَيَاهُ إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: «إِنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ (مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ) قَالُوا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ لَعَلَّنَا نُؤْمِنُ بِكَ، فَنَزَلَتْ» .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ فَإِنَّهَا جَمَعَتْ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ، وَلَعَلَّ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ حِينَمَا سَأَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدُ، أَوْ حِينَمَا سَأَلَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السُّورَةَ، فَظَنَّهَا الرَّاوِي مِنَ الْأَنْصَارِ نَزَلَتْ سَاعَتَئِذٍ أَوْ لَمْ يَضْبِطِ الرُّوَاةُ عَنْهُمْ عِبَارَتَهُمْ تَمَامَ الضَّبْطِ.
قَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» : وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِتَكَرُّرِ نُزُولِهَا ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ تَرْجِيحُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» اهـ.
وَعَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ عُدَّتِ السُّورَةَ الثَّانِيَةَ وَالْعِشْرِينَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النَّاسِ وَقَبْلَ سُورَةِ النَّجْمِ.

الصفحة 611

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text