كتاب تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
لذلك، ولم يحرّمها على الناس.
الثالث: أن في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق (¬١). ومعلوم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهَ عن كرائها مطلقًا، فدل على أنه غير محفوظ.
الرابع: أنه تارةً يحدثه عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظهير بن رافع؛ مع اضطراب ألفاظه، فمرة يقول: «نهى عن الحَقْل (¬٢)»، ومرة يقول: «عن كراء الأرض»، ومرة يقول: «لا يكاريها بثلث، ولا بربع (¬٣)، ولا طعام مسمّى»، كما تقدم ذكر ألفاظه.
وإذا كان حديث هكذا، وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده، الذي لم يَضطرب ولم يختلف.
الخامس: أن من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمَل مُجمَلها على مفسَّرِها ومطلَقَها على مقيَّدها= عَلِم أن الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك أمرٌ بيِّن الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه قال: «كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه» (¬٤)، وفي لفظ له: «كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما على الماذيانات وأقبال الجداول أو أشياء من الزرع» كما
---------------
(¬١) كما عند البخاري (٢٣٤٤)، ومسلم (١٥٤٧/ ١٠٩، ١١٠).
(¬٢) في الأصل والطبعتين: «الجعل»، تصحيف. والتصويب مما سبق من أحاديث الباب.
(¬٣) الأصل: «ربع» بدون الباء، والمثبت من (هـ) موافق لحديث الباب.
(¬٤) أخرجه البخاري (٢٧٢٢)، ومسلم (١٥٤٧/ ١١٧).