كتاب تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

وأما ما ظنه أبو محمّد من معارضة هذا الحديث لقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} الآية [البقرة: ٢٨]، وأنهما حياتان وموتان (¬١) لا غير= فجوابه: أنه ليس في الحديث أنه يحيا حياة مستقرة في قبره، والحياتان المذكورتان في الآية هما اللتان ذُكرا (¬٢) في قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: ١١]، وهاتان حياتان مستقرتان، وأما رد الروح إليه في البرزخ للسؤال فردٌّ عارض لا يتّصل به حياةٌ تُعَدّ حياةً ثالثة (¬٣)، فلا معارضة بين الحديث والقرآن بوجه من الوجوه، وبالله التوفيق.
وفي «الصحيحين» (¬٤) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله يوم القيامة».
وفي «صحيح مسلم» (¬٥) عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن لا تَدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر». وفي «صحيحه» (¬٦) أيضًا عن زيد بن ثابت قال: بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تُلقيه. وإذا أَقْبُرٌ ستة ــ أو خمسة أو أربعة ــ فقال:
---------------
(¬١) في الطبعتين: «موتتان» خلافًا للأصل.
(¬٢) كذا في الأصل، والوجه: «ذُكرَتا».
(¬٣) في الطبعتين: «بعد حياة ثالثة»، تحريف أضاع المعنى وأفسد الكلام.
(¬٤) البخاري (١٣٧٩) ومسلم (٢٨٦٦).
(¬٥) برقم (٢٨٦٨).
(¬٦) برقم (٢٨٦٧).

الصفحة 325