ثمّ قال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: لِيَأخُذْ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ. بِزَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَرَفَعُوه، ثمّ وضَعه رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، بيده فى مَوْضِعه ذلك، فَذَهَب رجلٌ من أهل نَجْد ليناوِل النبىّ، -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجرًا يشدُّ به الرّكن، فقال العبّاس بن عبد المطلّب: لا، ونَحَّاه، وناوَل العبّاس رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، حَجَرًا فَشَدَّ به الرّكن، فَغَضِبَ النَّجْدِىّ حيث نُحِّى، فقال النبىّ، -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنّهُ لَيْسَ يَبْنى مَعَنَا فى البَيْتِ إلّا مِنّا، قال: فقال النَّجْدِىّ: يا عَجَبًا لقومٍ أهل شَرف وعُقول وسِنّ وأموال عَمَدُوا إلى أصغَرِهم سِنًّا، وأقلّهم مالًا، فَرَأَّسُوه عَلَيهم فى مكرمتهم وحرزهم كأنهم خَدَم له، أما واللَّه ليَفوتنّهم سبقًا وليقسمن بينهم حظوظًا وجُدُودًا! ويقال إنّه إبليس، فقال أبو طالب:
إن لَنَا أوَّلَهُ وَآخِرَه ... فى الحُكم والعدلِ الذى لا نُنْكرَهْ
وقدْ جَهَدْنَا جَهْدَهُ لِنَعْمُرَه ... وقَدْ عَمَرْنَا خَيْرَهُ وَأكْثَرَهْ
فإنْ يَكُنْ حَقًّا فَفِينا أوْفَرَهْ (¬١)
ثمّ بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، فكان خمسة عشر جائزًا سقَفوا البَيْت عليه، وبنوه على سِتّة أعمدة، وأخرجوا الحِجْر مِن البيت.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا ابن جُرَيج عن الوليد بن عَطاء عن الحارث بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الكَعْبَةِ وَلوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بالشِّرْكِ أعَدْتُ فيهِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدى أنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمّى أُرِيكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فأراها قريبًا من سبع أذرع فى الحِجر، قالت: وقال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثه: وَلَجَعَلْتُ لهَا بَابَيِنْ مَوْضُوعَيْن فى الأرْضِ شَرْقِيًا وغَرْبيًا. أتَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ فقلْتُ له: لا أدرى، قال: تَعَزّزًا ألّا يَدْخلَهَا إلّا مَنْ أرَادُوا: وكَانَ الرجل إذا كرهوا أن يدخل يدَعونه حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه حتّى يسقط (¬٢).
---------------
(¬١) قارن بالنويرى ج ١٦ ص ١٠٤ وانظر الصالحى ج ٢ ص ٢٣٢.
(¬٢) النويرى ج ١٦ ص ١٠٤.