ثمّ أوكأهُ وقال: اذْهَبَا حَتَى تَبْلُغَا مَكَانَ كَذَا وكَذَا فَإنّ اللَّه سَيَرْزُقُكُمَا، قال: فَانْطَلَقا حَتّى أتيا ذلك المكان الذى أمرهما به رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، فانحلّ سِقاؤهما فإذا لَبنٌ وزُبد غنم، فَأكَلا وشرِبا حتى شَبِعا.
أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضر الكنانى، أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال: حدّثَنى شَهْر، يعنى ابن حَوْشب، قال: وحَدّثَ أبو سعيد الحضرمى قال: بينما رجل من أسْلَم فى غُنَيْمَةٍ له يَهُشّ عليها فى بيداء ذى الحليفة إذ عَدَا عليه ذئب فانتزعَ شاةً من غنمه، فَجَهْجَأه (¬١) الرجل ورماه بالحجارة حتى استنقذَ منه شاته، ثمّ إنّ الذئب أقبلَ حتى أقعَى مُسْتثفرًا (¬٢) بذَنَبه مقابل الرجل فقال: أما اتّقيت اللَّه أن تنزع منّى شاة رزقنيها اللَّه؟ قال الرجل: تاللَّه ما سمعت كاليوم قطّ قال الذئب: من أىّ شئ تَعجَب؟ قال: أعْجب من مخاطبة الذئْب إيّاى! قال الذّئب: قد تركْتَ أعْجَبَ مِن ذلك، هاذاك رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، بين الحرّتين فى النَّخَلَاتِ يُحدّث النّاس بما خلا، ويُحدّثهم بما هو آتٍ، وأنت ههنا تتّبع غنمك! فلمّا أن سمع الرجل قول الذئب ساق غنمه يحوزها حتى أدخلها قباء قرية الأنصار فسأل عن رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصادفه فى منزل أبى أيّوب فأخبره خبر الذئب، قال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: صَدَقْتَ، احْضَرِ العَشِيّة فَإذَا رَأيْتَ النّاسَ اجْتَمَعُوا فَأخْبِرْهُمْ ذَلِكَ، ففعل، فلمّا أن صلّى الصّلاة واجتمع الناس أخبرهم الأسلمى خبر الذئب، قال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: صَدَقَ صَدَقَ صَدَقَ، تِلْكَ الأعَاجِيبُ بَينَ يَدَىِ السّاعَةِ، قالها ثلاثًا، أمَا وَالّذى نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ ليُوشِكَنّ الرّجُلُ مِنْكُمْ أنْ يَغِيبَ عَنْ أهْلِهِ الرّوْحَةَ أوِ الغَدْوَةَ ثمّ يُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أوْ عَصَاهُ أوْ نَعْلُهُ بِمَا أحْدَثَ أهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ (¬٣).
أخبرنَا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بَهرام قال: حدّثنى شَهْر، حدّثنى عبد اللَّه بن عبّاس قال: بينما رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، بفِناء بيته بمكّة جالسًا إذ مرّ به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له رسول اللَّه،
---------------
(¬١) لدى ابن الأثير فى النهاية (جهجه) فيه "إِنّ رجلا من أسْلَم عدَا عليه ذئب فانتزع شاة من غنمه فجهجأه الرجل" أى زبَره: أراد جهجهه، فأبدل الهاء همزة لكثرة الهاآت وقرب المخرج.
(¬٢) مستثفرا: جاعلا ذنبه بين رجليه.
(¬٣) الصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ١٦٩.