وكان يخلو بغار حِراء يتحنّث فيه الليالى ذوات العَدَد قبل أن يرجع إلى أهله، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى فَجِئَه الحقّ وهو فى غار حِراء (¬١).
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حَبيبة عن داود بن الحُصين عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: فبينا رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، على ذلك وهو بأجْياد إذ رأى مَلَكًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى فى أفق السماء يصيح: يا محمّد، أنا جبريل، يا محمّد، أنا جبريل، فذُعر رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، من ذلك، وجعل يراه كلّما رفع رأسه إلى السّماء، فرجع سريعًا إلى خديجة فأخبرها خبره وقال: يَا خَدِيجَةُ وَاللَّهِ مَا أبْغَضْتُ بُغْضَ هَذِه الأَصْنَامِ شَيْئًا قَطّ وَلا الكُهّانِ وَإنّى لأخْشَى أنْ أكُونَ كَاهِنًا، قالت: كلّا يابنَ عَمّ لا تَقُلْ ذلك فإنّ اللَّه لا يفعل ذلك بك أبدًا، إنّك لتصل الرَّحِم وتَصْدق الحديث وتؤدّى الأمانة، وإن خُلُقَكَ لكريم، ثمّ انطلقت إلى وَرَقة بن نوفل، وهى أوّل مرّة أتته، فأخبرته ما أخبرها به رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال ورقةُ: واللَّه إن ابن عمّك لَصادق، وإنّ هذا لبدءُ نبوّة، وإنّه ليأتيه النّاموس الأكبر، فَمُريه أن لا يجعل فى نفسه إلّا خيرًا (¬٢).
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عُروة عن عُروة أن رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: يَا خَديجَةُ إنّى أرَى ضَوْءًا وَأسْمَعُ صَوْتًا، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ كَاهِنًا، فقالت: إنّ اللَّه لا يفعل بك ذلك يابن عبد اللَّه، إنّك تصدقُ الحديث وتؤدّى الأمانة وتصل الرّحم (¬٣).
أخبرنا يحيَى بن عبّاد وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عمّار بن أبى عَمّار، قال يحيَى بن عبّاد، قال حمّاد بن سلمة: أحسبه عن ابن عبّاس، أن النبىّ، -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: يَا خَديجَةُ إنّى أسْمَعُ صَوْتًا وَأرَى ضَوْءًا وإنّى أخْشَى أنْ يَكُونَ فىّ جُنُنٌ، فقالت: لم يكن اللَّه ليفعل بك ذلك يابن عبد اللَّه، ثمّ أتت وَرَقَةَ بن نوفل فذكرت له ذلك، فقال: إنْ يكُ صادقًا فهذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن يُبْعَثْ وأنا حَىّ فسأعزّره وأنصره وأومن به.
* * *
---------------
(¬١) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٣١٢.
(¬٢) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٣١٣.
(¬٣) أورده الصالحى فى سبل الهدى ج ٢ ص ٣٠٧ نقلا عن ابن سعد.