قَوْمى، قالوا: نعم، فلمّا بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العَقبة بأبعد صوت سُمِعَ: يا أهل الأخاشب، هل لكم فى محمّد والصُّباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: انْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ، فقال العبّاس بن عُبادة بن نَضْلة: يا رسول اللَّه والذى بعثك بالحقّ لئن أحببتَ لنميلنّ على أهل مِنًى بأسيافنا، وما أحدٌ عليه سيف تلك الليلة غيرُه، فقال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنّا لَمْ نُؤمَرْ بذلِك فَانْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ: فتفرَّقوا إلى رِحالهم، فلمّا أصبح القوم غَدَت عليهم جِلّة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شِعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج إنّه بلغنا أنّكم لَقيتم صاحبنا البارحة وَوَاعَدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايمُ اللَّه مما حىّ من العرب أبغض إلينا أن تنشبَ بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعثَ مَن كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم باللَّه ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أُبَىّ يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومى ليفتاتوا علىّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومى حتى يؤامرونى، فلمّا رجعت قريش من عندهم رَحَل البرَاء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجَجَ وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم فى كلّ وجه ولا تعدَّوا طرق المدينة، وحزّبوا عليهم، فأدركوا سَعد ابن عُبَادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنِسْعَةٍ (¬١) وجعلوا يضربونه ويجرّون شَعره، وكان ذا جُمّة، حتى أدخلوه مكّة، فجاءه مُطعم بن عدىّ والحارث بن أُميّة بن عبد شمس فخلّصاه من بين أيديهم، وأتْمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عُبادة أن يكُرّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرَحَل القوم جميعًا إلى المدينة (*).
* * *
ذكر مقام رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، بمكّة من حين تنبأ إلى الهجرة
أخبرنا أنسَ بن عِياض ويزيد بن هارون وعبد اللَّه بن نُمير قالوا: أخبرنا يحيَى ابن سعيد عن سعيد بن المسيّب أن رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاثٍ وأربعين سنة وأقام بمكّة عشر سنين.
---------------
(¬١) النّسعة بالكسر: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره.