كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 1)

رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: وكانت لأبى بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فُهَيرة، وكان يأتيهم بها ليلًا فيحتلبون فإذا كان سَحَرٌ سرح مع الناس. قالت عائشة: وجهّزناهما أحبّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفْرة فى جِراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فَأوْكَت به الجراب، وقَطَعت أخرى فصيّرته عِصامًا لفم القِرْبة، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين. ومكثَ رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبو بكر فى الغار ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد اللَّه بن أبى بكر، واستأجر أبو بكر رجلًا من بنى الدِّيل هاديًا خِرِّيتًا (¬١) يقال له عبد اللَّه بن أرَيْقط، وهو على دين الكفر. ولكنّهما أمناه، فارتحلا ومعهما عامر بن فُهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يَدَ بَحْرٍ (¬٢)، فما شعرت قريش أين وَجّه رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-. حتى سمعوا صوتًا من جنّىّ من أسفل مكّة، ولا يُرى شخصُه:
جَزَى اللَّهُ رب النّاس خيرَ جَزَائِهِ ... رَفيقينِ قالا خَيْمَتَىْ أمّ مَعْبدِ
هُمَا نَزَلا بالبِرّ وَارْتَحَلا بِهِ ... فقد فازَ مَنْ أمْسى رَفيقَ محَمّد
(*) أخبرنا الحارث قال: حدّثنى غير واحد من أصحابنا، منهم محمّد بن المثنّى البزّاز وغيره قالوا: أخبرنا محمّد بن بشر بن محمّد الواسطى، ويكنى أبا أحمد السكرى، أخبرنا عبد الملك بن وهب المذحجى عن الحُرّ بن الصيّاح عن أبى معبد الخزاعى أن رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم- لما هاجر من مكّة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة مولى أبى بكر، ودليلهم عبد اللَّه بن أُريقط الليثى، فمروا بخَيْمَتَى
---------------
(¬١) لدى ابن الأثير فى النهاية (خرت) وفى حديث الهجرة "فاستأجرا رجلا من بنى الذِّيل هاديا خِرِّيتا" الخريا: الماهر الذى يهتدى لأخرات المفازة وهى طرقها الخفية ومضايقها.
(¬٢) فى ل "ىرىحر" كذا دون وضع أى نقط. والمثبت من م، ولفظ البخارى ج ٥ ص ٧٦ "وانطلق بهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل" ومما يعضد رواية م كذلك ما ورد لدى البيهقى فى دلائل النبوة ج ٢ ص ٢٠٨ "فارتحلا وانطلق عامر بن فهيرة والدليل الدؤلى فأخذ بهما يَدَبَحْرِ وهو طريق الساحل" وكذلك ما ورد لدى ابن الأثير فى النهاية (يد) وفى حديث الهجرة "فأخذ بهم يَدَ البَحْر" أى طريق الساحل.
(*) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ١٩٨ أورده النويرى ج ١٦ ص ٣٣٦ - ٣٣٧، والصالحى ج ٣ ص ٣٤٦ فما بعدها.

الصفحة 196