ملبّبتين كانتا بزعفران فقد نفضتا، ومعه عسيب نخلة مقشور غير خوصتين من أعلاه، وهو قاعد القرفصاء، فلمّا رأيت رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، متخشعًا فى الجلسة أُرعدتُ من الفَرَق، فقال جليسه: يا رسول اللَّه، أُرعدت المسكينة، فقال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم ينظر إلىّ وأنا عند ظهره: يا مِسْكينَةُ عَلَيْكِ السّكينَة (¬١)، فلمّا قالها رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، أذهب اللَّه ما كان أدخل قلبى من الرعب.
وتقدم صاحبى أوّل رجل، فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثمّ قال: يا رسول اللَّه اكتب بيننا وبين بنى تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلّا مسافر أو مجاور، فقال: يا غُلامُ اكتُبْ لَهُ بالدّهْنَاءِ (¬٢).
فلمّا رأيته أمر له بأن يَكْتُبَ له بها شُخص بى وهى وطنى ودارى، فقلت: يا رسول اللَّه إنّه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك، إنّما هذه الدهناء عندك مُقيّد الجمل ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها اوراء ذلك! فقال: أمْسِكْ يا غُلامُ، صَدَقَتِ المِسْكينَةُ، المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ يَسَعُهُما المَاءُ وَالشّجَرُ ويَتَعاوَنَانِ عَلى الفَتّانِ.
فلمّا رأى حُريث أن قد حيل دون كتابه ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: كنت أنا وأنت كما قيل: "حَتْفها تَحْمِل ضأنٌ بأظلافها (¬٣) " فقلت: أما واللَّه إن كنت لَدليلًا فى الظلماء، جوادًا بذى الرحل، عفيفًا عن الرفيقة، حتى قدمتُ على رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكن لا تلُمنى على حظّى إذ سألتَ حظّك، فقال: وما حظّك فى الدهناء لا أبا لك؟ فقلت: مقيّد جملى تسأله لجمل امرأتك! فقال: لا جرم إِنِّى أُشْهِد رسول اللَّه أَنِّى لك أخ ما حييت إذ أثنيت هذا علىّ عنده، فقلت: إذ بدأتَها فلن أضيّعها، فقال رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-: أيُلامُ ابنُ ذِهِ
---------------
(¬١) الصالحى ج ٦ ص ٥٣٠ نقلا عن ابن سعد.
(¬٢) الصالحى ج ٦ ص ٥٣٠ نقلا عن ابن سعد.
(¬٣) مثل يضرب لمن يوقع نفسه فى هلكة. جاء فى مجمع الأمثال للميدانى ج ١ ص ١٣٩: إن هذا المثل لحريث بن حسان الشيبانى تمثل به بين يدى النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- لقيلة التميمية. وكان حريث حملها إلى النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله إقطاع الدهناء ففعل ذلك رسول اللَّه، فتكلمت فيه قيلة فعندها قال حريث: كنت أنا وأنت كما قيل حتفها تحمل ضأن بأظلافها.