وكان إذا دخل المسجد قام بين الصّفوف ثمّ قال: اسْتَوُوا، فإذا استووا تقدّم فكبّر، فلمّا كبّر طُعِنَ، قال فسمعتُه يقول: قَتَلَنى الكَلبُ، أو أكلنى الكلبُ، ما أدرى أيّهما قال (¬١).
وطار العِلْج في يده سكّين ذات طرفين ما يمُرّ برجل يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، فأصاب ثلاثة عشر رجلًا من المسلمين، فمات منهم تسعة، قال فلّما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه بُرْنُسًا له ليأخذه فلمّا ظنّ أنّه مأخوذ نَحَرَ نَفْسَه. قال وما كان بينى وبينه، يعنى عمر، حين طُعِن إلّا ابن عبّاس، فأخذ بيد عبد الرحمن ابن عوف فقَدّمَه فصلّوا الفجر يومئذٍ صلاة خفيفة (¬٢).
قال فأمّا نواحى المسجد فلا يَدْرون ما الأمر إلا أنهم حين فقدوا صوت عمر جعلوا يقولون: سبحان الله سبحان الله! قال فلمّا انصرفوا كان أوّلُ من دخل على عمر ابنَ عبّاس فقال: انْظُرْ مَن قتلنى، فخرج ابن عبّاس فجال ساعة ثمّ أتاه فقال: غلام المغيرة بن شعبة الصنّاع، قال وكان نجارًا، قال: ما له قاتَلَه الله؟ واللهِ لقد كنْتُ أمرتُ به معروفًا. ثمّ قال: الحمد لله الذى لم يجعل ميتتى بيد رجلٍ يدّعى الإسلامَ، ثمّ قال لابن عبّاس: لقد كنْتَ أنتَ وأبوك تُحِبّان أن تكثُرَ العلوج بالمدينة، فقال ابن عبّاس: إنْ شِئتَ فَعَلْنا، فقال، أبَعْدَما تكلّموا بكلامكم وصلّوا بصلاتكم ونَسَكوا نُسْككم؟ فقال له الناس: ليس عليك بَأسٌ، فدعا بنبيذ فشربه فخرج من جُرْحه، ثمّ دعا بلَبَن فشربه فخرج من جرحه، فلمّا ظنّ أنّه الموت قال: يا عبد الله بن عمر انظر كم عليّ من الدّين، قال فَحَسَبَه فوجده ستّةً وثمانين ألف درهم. قال: يا عبد الله إنْ وَفَى لها مالُ آل عمر فأدّها عنى من أموالهم، وإن لم تَفِ أموالُهم فاسألْ فيها بنى عدىّ بن كعب، فإن لم تفِ من أموالهم فاسأل فيها قريشًا ولا تعْدُهم إلى غيرهم (¬٣).
ثمّ قال: يا عبد الله اذْهب إلى عائشة أمّ المؤمنين فقلْ لها يَقْرأ عليك عمرُ السلام، ولا تقُلْ أمير المؤمنين، فإنّى لستُ لهم اليوم بأمير، يقول تأذَنين له أن
---------------
(¬١) ابن عساكر ص ٣٥٥ من ترجمة عمر.
(¬٢) ابن عساكر ص ٣٥٦ من ترجمة عمر.
(¬٣) ابن عساكر ص ٣٥٦ من ترجمة عمر.