كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 3)

وقال: لو أراد الله أن يُتِمّ هذا الأمرَ لأتمّه، فقال عبد الله: نحن نَكفيك هذا الأمر يا أمير المؤمنين، قال: لا، وأخَذَه فمحاه بيده، قال فدعا ستّة نفر: عثمان وعليًّا وسعد بن أبى وقّاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام، قال فدعا عثمان أوّلَهم ففال: يا عثمان إنْ عَرَفَ لك أصحابك سِنّك فاتّقِ الله ولا تَحْمِلْ بنى أبي مُعيط على رقاب الناس، ثمّ دعا عليًّا فأوصاه، ثمّ أمر صُهيبًا أن يصلّى بالناس.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدتُ عمر يوم طعِن فما مَنَعَنى أن أكون في الصفّ المقدّم إلّا هَيْبَتُه، وكان رجلًا مَهيبًا فكنتُ في الصفّ الذى يليه، وكان عمرُ لا يُكبّرُ حتى يسْتَقْبِلَ الصفّ المقدّم بوجهه فإن رأى رجلًا متقدّمًا من الصفّ أو متأخرًّا ضَرَبَه بالدِّرّة، فذلك الذى منعنى منه، فأقبل عمر فعَرَض له أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة فناجى عمر غيرَ بعيد ثمّ طَعَنَه ثلاث طعنات. قال فسمعتُ عمر وهو يقول هكذا بيده قد بسطها: دونكم الكلبَ قد قتلنى.
وماجَ النّاسُ فجَرَحَ ثلاثة عشر، وشدّ عليه رجلٌ مِنْ خَلْفِهِ فاحتضنه، واحتُمِل عمر وماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل: الضلاةَ عبادَ الله قد طلعت الشمسُ، فدَفعوا عبد الرحمن بن عوف فصلّى بنا بأقصر سورتين في القرآن: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [سورة النصر: ١] و {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [سورة الكوثر: ١]، واحتُمل عمر فدَخَلَ الناس عليه فقال: يا عبد الله ابن عبّاس اخْرُجْ فنادِ في الناس أيّها النّاس إنّ أمير المؤمنين يقول أعَن مَلأٍ منكم هذا؟ فقالوا: مَعَاذَ الله ما عَلمنا ولا اطّلَعْنَا، فقال: ادعوا لى طبيبًا، فدُعِىَ له الطبيب فقال: أىّ شرابٍ أحبّ إليك؟ قال: نبيذ، فسُقىَ نبيذًا فخرج من بعض طعناته فقال الناس: هذا صديدٌ، اسْقوهُ لَبَنًا، فسُقى لبنًا فخرج فقال الطيب: ما أرى أن تُمسَى فما كنتَ فاعِلًا فافْعَلْ، فقال: يا عبد الله بن عمر ناوِلْنِى الكَتِفَ فلو أراد الله أن يُمْضَى ما فيها أمْضاه، فقال له ابن عمر: أنَا أكْفيكَ مَحْوَهَا، فقال: لا والله لا يَمْحُوها أحدٌ غيرى، فمحاها عمر بيده وكان فيها فريضة الجَدّ.
ثمّ قال: ادْعوا لي عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعدًا، فلم يُكلّمْ أحدًا منهم غيرَ عليّ وعثمان فقال: يا علىّ لعلّ هؤلاء القوم

الصفحة 316