كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 3)

قال ابن عبّاس: فاحتملتُ عمرَ في رهط حتى أدخلته بيته، تمّ صلّى بالنّاس عبدُ الرحمن فأنكر الناس صوت عبد الرحمن فقال ابن عبّاس: فلم أزل عند عمر ولم يزل في غَشْيَةٍ واحدة حتى أسفر الصبح، فلمّا أسفر أفاق فنظر في وجوهنا فقال: أصَلّى الناسُ؟ قال فقلتُ: نعم، فقال: لا إسلامَ لمن ترك الصّلاة. ثمّ دعَا بوضوء فتوضّأ، ثمّ صلّى ثمّ قال: اخْرُجْ يا عبد الله بن عبّاس فسَلْ من قتلنى (¬١).
قال ابن عبّاس: فخرجتُ حتى فتحتُ باب الدار فإذا النّاسُ مجتمعون جاهلون بخَبَرِ عمر، قال فقلت: من طعن أمير المؤمنين؟ فقالوا: طعنه عدوّ الله أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة. قال فدخلتُ فإذا عمر يُبِدُّنِى (¬٢) النظر يَستْأنى خبرَ ما بعثنى إليه فقلتُ أرسلنى أمير المؤمنين لأسْألَ من قتله فكلّمتُ الناس فزعموا أنّه طعنه عدوّ الله أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة، ثمّ طعن معه رهطًا، ثمّ قتل نفسه. فقال: الحمدُ لله الذى لم يجعل قاتلى يُحاجّنى عند الله بسَجْدَةٍ سجدها له قَطّ، ما كانت العرب لِتَقْتُلَنى (¬٣).
قال سالم فسمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال عمر أرْسِلوا إلىّ طبيبًا ينظر إلى جُرْحى هذا. قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسَقَى عمر نبيذًا فشَبَه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التى تحت السرّة، قال فدعوتُ طَبيبًا آخر من الأنصار ثمّ من بنى معاوية فسقاه لَبَنًا فخرج اللبن من الطعنة يَصْلِد (¬٤) أبيض، قال فقال له الطبيب: يا أمير المؤمنين اعْهَدْ، فقال عمر: صَدَقَنى أخو بنى معاوية ولو قلتَ غير ذلك لَكَذّبتُك. قال فبكى عليه القومُ حين سمعوا فقال: لا تبكوا علينا، من كان باكيًا فَلْيَخْرُجْ، ألَمْ تَسمْعوا ما قال رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، قال: يُعَذَّبُ الميَّتُ ببُكاءِ أهْله عليه، فمِنْ أجل ذلك كان عبد الله بن عمر لا يُقِرّ أن يُبْكى عنده على هالك
---------------
(¬١) ابن عساكر ص ٣٥٤ من ترجمة عمر.
(¬٢) كذا في ث، ومثله لدى ابن عساكر في تاريخه ص ٣٥٤ من ترجمة عمر، ولدى ابن الأثير في النهاية (بد) ومنه حديث ابن عباس "دخلت على عمر وهو يُبدّنِي النظر استعجالا لخبر ما بعثنى إليه". يبدّنى النظر: أى يصوب بصره نحوى يستأنى خبر ... أى يَنتظر خبر ما أرسلنى فيه ويتربص. ورواية ل "يُبدّفِىّ" ومثله لدى صاحب الكنز برقم ٣٦٠٤٨ وهو ينقل عن ابن سعد.
(¬٣) ابن عساكر ص ٣٥٤.
(¬٤) يصلد: أى يبرق ويبِصّ.

الصفحة 321