كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 3)

فقال: ما وجدت؟ فقال: إنى أجده قد بقى لك من وَتِينِك (¬١) ما تَقضى منه حاجتك، قال: أنت أصدقُهم وخيرُهم. قال فقال رجل: والله إنّى لأرجو أن لا تَمَسّ النارُ جِلْدَك أبدًا. قال فنظر إليه حتى رثينا أو أوينا له ثمّ قال: إنّ عِلْمَك بذلك يا فلان لقليلٌ، لو أنّ ما في الأرض لى لافتديتُ به من هوْل المُطّلَعِ (¬٢).
قال: أخبرنا هَوْذة بن خليفة قال: أخبرنا عوف عن محمّد قال: قال ابن عبّاس لما كان غداةَ أصيب عمر كنتُ فيمن احتمله حتى أدخلناه الدار، قال فأفاق إفاقة فقال: من أصابنى؟ قلت: أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة، فقال عمر: هذا عملُ أصحابك، كنتُ أريد أن لا يَدْخُلها عِلْجٌ من السبى فغلبتمونى على أن غُلِبْتُ على عقلى، فاحْفَظْ منى اثنتين: إنى لم أستخلف أحَدًا ولم أقْضِ في الكلالة شيئًا، قال عوف وقال غيرُ محمّد إنّه قال: لم أقْضِ في الجَدّ والإخْوة شيئًا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عبّاس أنّه دخل على عمر لما أصيب فقال: يا أمير المؤمنين إنّما أصابك رجلٌ يقال له أبو لؤلؤة، فقال: إنّى أُشْهِدكم أنى لم أقضِ في ثلاثة إلا بما أقول لكم، جعلتُ في العبد عبدًا وفى ابن الأمَة عَبْدَيْن.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عَوانة قال: أخبرنا داود بن عبد الرحمن الأوْدى عن حميد بن عبد الرحمن الحِمْيَرِىّ قال: أخبرنا ابن عبّاس بالبصرة قال: أنا أوّل من أتى عمر بن الخطّاب حين طُعن فقالْ احْفَظْ منى ثلاثًا، فإنى أخاف أن لا يُدْركَنى النّاسُ، أمّا أنَا فلمْ أقضِ في الكلالة قضاءً، ولم استخلف على الناس خليفة، وكلّ مملوك لى عتيق، قال فقال له الناس: اسْتَخْلِفْ، فقال: أىّ ذلك ما أفعل فقد فَعَلَه من هو خير منّى، إنْ أتْرُكْ للناس أمْرَهم فقد تركه نبىّ الله، -صلى الله عليه وسلم-، وإنْ اسْتَخْلِفْ فقد استخلف من هو خير منى أبو بكر، فقُلْتُ: أبْشِرْ بالجَنّة، صاحبتَ رسولَ الله فأطلْتَ صُحبتَه، وَوَليتَ أمرَ المؤمنين فقوّيتَ وأدّيتَ الأمانَة، فقال: أمّا تبشيرك إيّاى بالجنّة فوالله الذى لا إله إلّا هو لو أنّ لى الدنْيا وما فيها لافتديتُ به من هول ما أمامى قبل أن أعْلَمَ الخبر، وأمّا
---------------
(¬١) الوتين: عرق يسقى العروق كلها الدم، إذا انقطع مات صاحبه.
(¬٢) أورده ابن عساكر في تاريخه ص ٣٦٩ نقلا عن ابن سعد.

الصفحة 327