كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 3)

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن رجل من الأنصار قال: لمّا قضى سعد في بنى قريظة ثمّ رجع انفجر جرحه، فبلغ ذلك النبىّ، -صلى الله عليه وسلم-، فأتاه فأخذ رأسه فوضعه في حِجْرِه وسُجّى بثوبٍ أبيض إذا مُدّ على وجهه خرجت رجلاه، وكان رجلًا أبيض جسيمًا، فقال رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-: اللهمّ إنّ سعدًا قد جاهد في سبيلك وصدّق رسولك وقضى الذى عليه فتَقَبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحًا. فلمّا سمع سعد كلام رسول الله فتح عينيه ثمّ قال: السلام عليك يا رسول الله، أما إنى أشهد أنّك رسول الله. فلمّا رأى أهل سعد أنّ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، قد وضع رأسه في حجره ذعروا من ذلك فذُكر ذلك لرسول الله، -صلى الله عليه وسلم-: إنّ أهل سعد لمّا رأوك وضعت رأسه في حجرك ذعروا من ذلك، فقال: أستأذِنُ الله من ملائكته عَدَدَكم في البيت ليشهدوا وفاة سعد. قال وأمّه تبكى وهى تقول:
وَيْل أمِّكَ سعدَا ... حَزامَةً وَجِدّا
فقيل لها: أتقولين الشعر على سعد؟ فقال رسول الله. -صلى الله عليه وسلم-: دَعُوها فغيرها من الشعراء أكذبُ (¬١).
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حَوّلوه عند امرأة يقال لها رُفيدة، وكانت تُداوى الجرحى، فكان النبىّ، عليه السلام، إذا مرّ به يقول: كيف أمسيتَ؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحتَ؟ فيخبره، حتى كانت الليلة التى نقله قومه فيها فثقل فاحتملوه إلى بنى عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، كما كان يسأل عنه، وقالوا قد انطلقوا به، فخرج رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، وخرجنا معه فأسرعَ المشىَ حتى تقطّعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه: يا رسول الله أتعبتنا في المشى، فقال: إنى أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، إلى البيت وهو يُغسل وأمّه تبكيه وهى تقول:
وَيْل أمّ سعدٍ سعدا ... حَزَامَةً وَجِدّا
---------------
(¬١) أورده الذهبى في تاريخه ص ٣٢٣ من المغازى.

الصفحة 395