مصافّكم هذا فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونَا قد غنمنا فلا تُشرِكونا وإن رأيْتُمونا نُقْتَل فلا تنصرونا، فلّما انهزم المشركون وتبعهم المسلمون يضعون السّلاح فيهم حيث شاءُوا وينهبون عسكرهم ويأخذون الغنائم فقال بعض الرماة لبعض: ما تُقيمون هاهنا فى غير شئ فقد هَزَم الله العدوّ فاغنموا مع إخوانكم. وقال بعضهم: ألَمْ تعلموا أنّ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، قال لكم احموا ظهورنا؟ فلا تبرحوا مكانكم. فقال الآخرون: لم يُرِدْ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، هذا وقد أذَلّ الله العدوّ وهزمهم. فخطبهم أميرهم عبد الله بن جُبير، وكان يومئِذٍ مُعْلَمًا بثياب بيض، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ أمر بطاعة الله وطاعة رسوله وأن لا يخالَفَ لرسول الله أمرٌ (¬١)، فعصوا وانطلقوا فلم يبقَ من الرماة مع عبد الله بن جُبير إلا نُفير ما يبلغون العشرة فيهم الحارث بن أنس بن رافع، ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله فكرّ بالخيل فتبعه عِكْرمة بن أبى جهل فانطلقا إلى موضع الرماة فحملوا على مَن بقى منهم فرماهم القوم حتى أصيبوا، ورمى عبد الله بن جُبير حتى فَنِيت نَبْلُه، ثمّ طاعن بالرمح حتى انْكسر، ثمّ كسر جفن سيفه فقاتَلهم حتى قُتل. فلمّا وقع جرّدوه ومثلوا به أقبح المثل، وكانت الرماح قد شرعت فى بطنه حتى خرقت ما بين سُرّته إلى خاصرته إلى عَانته (¬٢)، فكانت حِشوته قد خرجت منها. قال خوّات بن جُبير: فلمّا جَالَ المسلمون تلك الجولة مررتُ به على تلك الحال فلقد ضحكتُ فى موضع ما ضحك فيه أحد ونعستُ فى موضع ما نعس فيه أحد وبخلتُ فى موضع ما بخل فيه أحد؛ فقيل: ما هى؟ فقال: حملته فأخذتُ بضبعيه وأخذ أبو حنّة برجليه وقد سددتُ جرحه بعمامتى، فبينا نحن نحمله والمشركون ناحيةً إلى أن سقطت عمامتى من جرحه فخرجتْ حشوته ففزع صاحبى وجعل يتلفّت وراءه يظنّ أنّه العدوّ فضحكتُ، ولقد شَرع لى رجل برمح يستقبل به ثُغرة نحرى فغلبنى النوم وزال الرمح، ولقد رأيتنى حين انتهيَتُ إلى الحفر له ومعى قوسى،
---------------
(¬١) كذا فى ل. وبالهامش: الصحيح "أمر لرسول الله" وآثرت ما بمتن (ل) اعتمادا على رواية ت، والواقدى ص ٢٣٠.
(¬٢) راجع الواقدى ص ٢٨٤.