ذرّ يطلب فلم يَلْقَه، وكره أن يسأل أحدًا عنه، فعاد فنام حتى أمسى فمر به عليّ فقال: أما آنَ للرجل أن يعرف منزله؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئٍ، فأصبحَ اليوم الثالث فأخذ على عليّ لَئِنْ أفْشى إليه الذى يريد ليَكتمنّ عليه وليسترنّه، ففعل فأخبره أنّه بلغه خروج هذا الرجل يَزعم أنّه نبىّ، فأرسلتُ أخى ليَأتيَنى بخبره وبما سمع منه فلم يأتنى بما يَشْفينى من حديثه، فجئتُ بنفسى لألقاه. فقال له عليّ: إنى غادٍ فاتْبَعْ أثرى فإنى إن رأيتُ ما أخاف عليك اعتللتُ بالقيام كأنّى أهريق الماء فآتيك، وإن لم أرَ أحدًا فاتْبَعْ أثرى حتى تدخل حَيْثُ أدخل. ففعل حتى دخل على أثر عليّ على النبيّ، -صلى الله عليه وسلم-، فأخبره الخبر، وسمع قول رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، فأسلم من ساعته، ثمّ قال: يا نبىّ الله ما تأمرنى؟ قال: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمرى، قال فقال له: والذي نفسى بيده لا أرجع حتى أصرخَ بالإسلام في المسجد.
قال فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، -صلى الله عليه وسلم-، قال فقال المشركون: صبأ الرجل صبأ الرجل. فضربوه حتى صُرعَ، فأتاه العبّاس فأكبّ عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش، أنتم تُجّار وطريقكم على غفار، فتريدونَ أن يُقْطَعَ الطريق؟ فأمسكوا عنه ثمّ عادَ اليومَ الثانى فصنعَ مثل ذلك ثمّ ضربوه حتى صُرِعَ، فأكبّ عليه العبّاس وقال لهم مثل ما قال في أوّل مرّة، فأمسكوا عنه وكان ذلك بَدْءَ إسلام أبي ذَرّ] (*).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا من سمع إسماعيل بن أبي حكيم يُخبر عن سليمان بن يسار قال: قال أبو ذرّ حدْثانَ إسلامه لابن عمّه: يا بن الأمَة. فقال النبيّ، -صلى الله عليه وسلم-: ما ذهَبتْ عنك أَعرابِيَّتُكَ بعدُ.
قال محمد بن إسحاق: آخى رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، بين أبي ذرّ الغفارى والمُنْذرِ ابن عَمرو، أحد بنى ساعدة وهو المُعْنِق (¬١) لِيَمُوتَ، وأنكر محمد بن عمر هذه المؤاخاة بين أبي ذرّ والمنذر بن عَمرو، وقال: لم تكن المؤاخاة إلّا قبل بدر فلمّا نزلت آية المواريث انقطعت المؤاخاة، وأبو ذرّ حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام
---------------
(¬١) هذا الضبط من ل، ث ضبط قلم وقيده ابن حجر في التبصير ج ٤ ص ١٢٩٨ بتشديد النون، وسياق ما ذكره ابن الأثير في النهاية (عنق) يقتضى عدم التشديد. كما قيده ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ج ٨ ص ٢٠٥ بضم أوله وسكون العين المهملة وكسر النون المخففة.