كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 4)

قال: فصادفنا مولًى لعثمان غلامًا حبشيًّا يؤمّهم فنُودِىَ بالصلاة فتقدّم فلمّا رأى أبا ذرّ نكص، فأومأ إليه أبو ذرّ: تَقَدّمْ فصلّ. فصلّى خلفه أبو ذرّ.
(*) قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيمِ عن مُجاهِد عن إبراهيم، يعنى ابن الأشتر، أنّ أبا ذرّ حضره الموت وهو بالرَّبَذَة فبَكَت امرأته فقال: وما يُبْكيكِ؟ فقالت: أبكى أنّه لا يدَ لى بتغييبك وليس عندى ثوبٌ يَسَعُك كَفَنًا.
فقال: لا تبكى فإنّى سمعتُ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، ذاتَ يوم وأنا عنده في نفرٍ يقول: لَيموتنّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ من الأرض تَشْهَدُه عِصابة من المؤمنين، قال: فكلّ مَن كان معى في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية فلم يَبْقَ منهم غيرى وقد أصبحتُ بالفلاةِ أموت، فراقِبى الطريقَ فإنّكِ سوف تَرَيْنَ ما أقول لك فإنّى والله ما كذبتُ ولا كُذِتْتُ. قالت: وأنّى ذلك وقد انقطع الحاجّ؟
قال: راقِبى الطريق. فبينا هى كذلك إذا هى بالقوم تَجُدّ بهم رواحلهم كأنّهم الرّخَم، قال عفّان: هكذا قال: تجدّ بهم، والصوابُ تَخُدّ (¬١) بهم رواحلُهم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها قالوا: ما لكِ؟ قالت: امرؤ من المسلمين تُكَفّنونه وتُؤجَرُونَ فيه، قالوا: ومَن هو؟ قالت: أبو ذرّ. ففَدّوه بآبائهم وأمّهاتهم ووضعوا سياطَهم في نُحورها يبتدرونه.
فقال: أبْشِروُا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، ما قال، أبشروا سمعت رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، يقول: ما من امرأيْنِ من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا فيريان النار أبدًا.
ثمّ قال: قد أصبحتُ اليومَ حيثُ ترون ولو أنّ ثوبًا من ثيابى يسعنى لم أُكَفّنْ إلّا فيه، أنشدكم الله ألّا يُكَفّنى رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا.
فكلّ القوم كان نال من ذلك شيئًا إلّا فَتًى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا
---------------
(*) من هذه العلامة إلى مثلها أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٧٥ - ٧٧ نقلا عن ابن سعد.
(¬١) في ث "تُخِدُّ".

الصفحة 219