فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طُفيل إنّك قدمتَ بلادَنا وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضلَ بنا وفرّق جماعتنا وشَتّتَ أمرَنا وإنّما قوله كالسّحْر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، إنّا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلّمه ولا تَسْمَعْ منه (¬١).
قال الطّفيل: فوالله ما زالوا بى حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلّمه، فغدوتُ إلى المسجد وقد حشوتُ أذُنى كُرْسُفًا، يعنى قُطنًا، فَرقًا من أن يبلغنى شئ من قوله حتى كان يقال لى ذو القُطْنَتَينِ (¬٢).
قال فغدوتُ يومًا إلى المسجد فإذا رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، قائم يصلّى عند الكعبة فقمتُ قريبًا منه فأبَى الله إلّا أن يُسْمِعَنى بعضَ قوله فسمعتُ كلامًا حسنًا فقلتُ في نفسى: واثُكْلَ أمّى، والله إنّى لَرجل لبيب شاعر ما يَخْفى علىّ الحَسَنُ من القبيح فما يمنعنى من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتى به حسنًا قَبِلْتُه وإن كان قبيحًا تركتُه (¬٣).
فمكثتُ حتى انصرف إلى بيته ثمّ اتّبعتُه حتى إذا دخل بيته دخلتُ معه فقلتُ: يا محمد إنّ قومك قالوا لى كذا وكذا للذى قالوا لى، فوالله ما تركونى يخوّفونى أمرك حتى سددتُ أذُنى بكُرْسُفٍ لِئَلَّا أسمع قولك، ثمّ إنّ الله أبَى إلّا أن يُسْمِعَنِيه فسمعتُ قولًا حسنًا فاعرِضْ علىّ أمرك (¬٤).
فعرض عليه رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، الإسلام وتلا عليه القرآن فقال: لا والله ما سمعتُ قولًا قطّ أحسن من هذا ولا أمرًا أعدل منه. فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحقّ فقلتُ: يا نبىّ الله إنى امرؤ مطاعٌ في قومى وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام فادْعُ الله أن يكون لى عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهمّ اجْعَلْ له آيَةً (¬٥).
قال فخرجتُ إلى قومى حتى إذا كنتُ بثنيّةٍ تُطْلِعُنى على الحاضر (¬٦) وقع نور بين عينىّ مثل المصباح فقلتُ: اللهمّ في غير وجهى فإنّى أخشى أن يظنّوا أنّها مُثْلة وَقَعَتْ في وجهى لفراق دينهم. فتحوّل النور فوقع في رأس سوطى فجعل الحاضر
---------------
(¬١) سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٣٤٥.
(¬٢) المصدر السابق.
(¬٣) نفس المصدر.
(¬٤) نفس المصدر.
(¬٥) نفس المصدر.
(¬٦) الحاضر: القوم النزول إلى الماء.