الجموح: ما هذا الذي جئتمونا به؟ فقالوا: إن شئت جئناك فأسمعناك القرآن، فقال: نعم. فواعدهم يومًا فجاءوا، فقرأ عليهم [مُصْعَب] القرآن {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة يوسف: ١، ٢] فقرأ ما شاء الله أن يقرأ.
فقال إن لنا مُؤَامَرة في قومِنَا - وكان سيدَ بنى سَلمة - قال: فخرجوا، فدخل عَلَى مَنافٍ فقال: يا منافُ، تعلم والله ما يريدُ القومُ غيرَك، فهل عندك من نكير؟ قال: فقلدهُ السيفَ وخرجَ لحاجتهِ، فقام أهلُهُ فأخذوا السيفَ، فلما رجع دَخَل عليه. فلم ير السيفَ فقال: يا منافُ، أين السيفُ ويحك؟ والله إن العَنْزَ لتمنع اسْتَها، والله ما أرى في أبى جعار غدًا من خير. ثم قال لهم: إنى ذاهبٌ إلى مالى بعليَاء المدينة، فاستوصوا بمنافٍ خيرًا. فإنى أكره أن أرى لمنافٍ يوم سوءٍ. قال: فذهب فأخذوهُ وكسرُوه وربطُوه إلى جنب كلبٍ ميّتٍ، وألقوه في بئرٍ، فلما جاء قال: كيف أنتم؟ قالوا: بخير يا سيدنا، وسّعَ الله لنا في منازلنا، وطهّر بيوتنا من الرجسِ قال: والله إنى أراكم قد أسأتم خلافتى في منافٍ! قالوا: هو ذاك يا سيِّدنَا، انظُر إليه في تلك البئر قال: فأشرف فإذا هم قد ربطوه إلى جنب كلبِ، قال: فبعث إلى قومه فجاءوا فقال: ألستم على ما أنا عليه؟ قالوا: بلى، أنت سيدُنا، قال: فإنى أشهدُكم أنى قد آمنت بما أنزل على محمد (¬١).
قال: فلما كان يومُ أحُدٍ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قوموا إلى جَنّةٍ عرضها السماواتُ والأرض أُعِدَّتْ للمتقين. فقام وهو أعرجُ، فقال: والله لأحفزن (¬٢) عليها في الجنة. قال: فحَمَل فقاتَل حتى قُتل (¬٣).
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ، قال: لما قدم السبعونَ أهلُ العقبةِ المدينةَ أظهروا الإسلام في قومهم بقايا من الأوس والخزرج على شركهم مقيمين على أصنامهم، وكان عَمْرو
---------------
(¬١) أورده الذهبي في تاريخ الإسلام: المغازي، ص ٢١٥ وما بين حاصرتين منه. وانظره أيضا في سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٢٥٣
(¬٢) كذا في الأصل والتحفز في المشي: الإسراع: وفى سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٢٥٣ "والله لأقحزن عليها في الجنة. وجاء في حواشيه "أي: لأثِبنَّ كما في هامش المخطوط. والقحز: الوثب".
(¬٣) انظره لدى الذهبي في السير ج ١ ص ٢٥٣