كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 4)

شَغلتَنى عن كل ضيعة وكنتَ أهمّ عندى مما أنا فيه، فخرجتُ فمررتُ بكنيسة للنصارى فسمعتُ صلاتهم فيها فدخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون فلم أزل عندهم، وأعجبنى ما رأيتُ من صلاتهم وقلتُ في نفسى: هذا خير من ديننا الّذى نحن عليه. فما بَرحْتُهم حتى غابت الشمس وما ذهبتُ إلى ضيعة أبى ولا رجعتُ إليه حتى بَعَثَ الطّلَبَ في أثَرى، وقد قلتُ للنصارى حين أعجبنى ما رأيت من أمرهم وصلاتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال ثمّ خرجُتُ فرجعتُ إلى أبى فقال: أىْ بُنىّ أين كنتَ؟ قد كنتُ عهدتُ إليك وتقدّمتُ ألا تحتبس، قال قلتُ: إنى مررتُ على ناسٍ يصلّون في كنيسة لهم فأعجبنى ما رأيتُ من أمرهم وصلاتهم ورأيتُ أنّ دينهم خير من ديننا.
قال فقال لى: أَىْ بنىّ! دينك ودين آبائك خير من دينهم. قال قلتُ: كلّا والله! قال فخافنى فجعل في رجلى حديدًا وحبسنى، وأرسلتُ إلى النصارى أخبرهم أنى قد رضيتُ أمرهم وقلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْب من الشام فآذنونى. فقدم عليهم ركب منهم من التجّار فأرسلوا إلىّ فأرسلتُ إليهم: إن أرادوا الرّجوع فآذنونى. فلمّا أرادوا الرّجوع أرسلوا إلىّ فرميتُ بالحديد من رجلى ثمّ خرجتُ فانطلقتُ معهم إلى الشام.
فلمّا قدمتُ سألتُ عن عالمهم فقيل لى صاحب الكنيسة أُسْقُفهم، قال فأتيتُه فأخبرتُه خبرى وقلتُ: إنى أُحبّ أن أكون معك أخدمك وأصلّى معك وأتعلّم منك فإنّى قد رغبتُ في دينك، قال: أقِمْ. فكنتُ معه، وكان رجل سَوْءٍ في دينه، وكان يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه حتى جمع سبع قِلال دنانير ودراهم.
ثمّ مات فاجتمعوا ليدفنوه، قال قلتُ: تعلمون أنّ صاحبكم هذا كان رجل سَوء فأخبرتهم ما كان يصنع في صدقتهم، قال فقالوا: فما علامة ذلك؟ قال قلتُ: أنا أدلّكم على ذلك. فأخرجتُه فإذا سبع قِلال مملوءةٍ ذهبًا ووَرِقًا، فلمّا رأوها قالوا: والله لا نُغَيّبُه أبدًا. ثمّ صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه.

الصفحة 70