كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 4)

فقلت: أعْطيكم بقراتى هذه وغنمى على أن تحملونى حتى تَقْدَموا بى أرضَكم، قالوا: نعم. فاحتملونى حتى قدموا بى وادى القرى فظلمونى فباعونى عبدًا من رجل من يهود فرأيتُ بها النخل، وطمعتُ أن تكون البلدة التى وُصِفَت لى وما حَقّت (¬١) لى ولكنى قد طمِعْتُ حين رأيتُ النخل، فأقمتُ عنده حتى قدم رجل من يهود بنى قُرَيْظَةَ فابتاعنى منه ثمّ خرج بى حتى قدمتُ المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبى وأيقنتُ أنّها هى البلدة التى وُصِفَتْ لى.
فأقمتُ عنده أعمل له في نخله في بنى قريظة حتى بعث الله رسوله، -صلى الله عليه وسلم-، وخَفِىَ عليّ أمره حتى قدم المدينة ونزل بقباء في بنى عمرو بن عوف، فوالله إنى لفى رأس نخلة وصاحبى جالس تحتى إذ أقبل رجل من يهود من بنى عمّه حتى وقف عليه فقال: أى فلان، قاتل الله بنى قَيْلَةَ إنّهم آنفًا ليَتقاصفون (¬٢) على رجلٍ بقُباء قدم من مكّة يزعمون أنّه نبيّ.
قال فوالله إنْ هو إلا أن قالها فأخذَتْنى العُرَواء (¬٣) فرجفَتِ النخلةُ حتى ظننتُ لأسقطنّ على صاحبى، ثمّ نزلتُ سريعًا أقول: ماذا تقول، ما هذا الخبر؟ قال فرفع سيّدى يده فلكمنى لكمةً شديدةً ثمّ قال: ما لك ولهذا؟ أقْبِلْ على عملك. قلتُ: لا شئَ إنّما أردتُ أن أسْتَثْبِتَهُ هذا الخبر الذى سمعتُه يذكر، قال: أقْبِلْ على شأنك. قال فأقبلتُ على عملى ولَهِيتُ منه (¬٤).
فلمّا أمسيتُ جمعتُ ما كان عندى ثمّ خرجتُ حتّى جئتُ إلى رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، وهو بقباء فدخلتُ عليه ومعه نفر من أصحابه فقلتُ: إنّه بلغنى أنّك ليس بيدك شئ وأنّ معك أصحابًا لك، وأنّكم أهل حاجة وغُرْبة وقد كان عندى شئ وضعتُه للصدقة فلمّا ذُكر لى مكانُكم رأيتُكم أحقّ الناس به فجئتكم به، ثمّ وضعتُه
---------------
(¬١) بهامش ل: قراء دى خويه "حُقَّت" وتتفق رواية (ث) مع ما ورد بمتن (ل) هنا. ومثله لدى الذهبي في سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٥٠٩.
(¬٢) لدى ابن الأثير في النهاية (قصف) ومنه حديث اليهودي "لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة قال: تركت أبناء قيلة يتقاصفون على رجل يزعم أنه نبى" أى يزدحمون.
(¬٣) الذهبي مفسرا "فأخذتني العرواء - يقول الرِّعدة ... ".
(¬٤) بهامش ل: قراءة دى خويه "ولهيت عنه" وتتفق رواية (ث) ما ورد بمتن (ل) هنا.

الصفحة 72