كلّ رجل بما أعاننى به من النخل، ثمّ جاء رسول الله فجعل يضعها بيده وجعل يسوّى عليها شربها ويبرّك حتى فرغ منها رسول الله جميعًا، فلا والذى نفس سلمان بيده ما ماتت منه وَديّة وَبَقيَت الدراهم. فبينا رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، ذاتَ يوم في أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن فتصدّق بها إليه، فقال رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-: ما فعل الفارسيّ المسكين المُكَاتَبُ؟ (¬١) ادعوه لى. فدُعيتُ له فجئتُ فقال: اذهب بهذه فأدّها عنك ممّا عليك من المال. قال وقلت: وأين يقع هذا ممّا علىّ يا رسول الله؟ قال: إنّ الله سيؤدي عنك.
قال ابن إسحاق: فأخبرنى يزيد بن أبي حبيب أنّه كان في هذا الحديث أنّ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، وضعها يومئذٍ على لسانه ثم قلبها ثمّ قال لى: اذهب فأدّها عنك. ثمّ كاد حديثُ ابن عبّاس ويزيد أيضًا، قال سلمان: فوالذى نفسى بيده لوزنتُ له منها أربعين أوقيّة حتى وفّيتُه الذى له. وعَتَقَ سلمان وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، حُرًّا مسلمًا حتى قبضه الله.
قال: أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق قال: حدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن رجل من عبد القيس أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدّثنى مَن حدّثه سلمان أنّه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، أنّ صاحب عَمّوريَةَ قال له: أرأيتَ رجلًا بكذا وكذا من أرض الشام بين غَيْضَتَيْنِ يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة في كلّ سنة ليلةً ثمّ يخرج مثلها من العام القابل ليلةً من السنة معلومةً فيتعرّضه الناسُ يداوى الأسقام يدعو لهم فيُشْفَوْنَ، فَأتِ فَسَلْه عن هذا الذى تلتمس. قال فجئتُ حتى أقمتُ مع الناس بين تلك الغيضتين.
فلمّا كان الليلة التى يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة التى يدخل، خرج وغلبونى عليه حتى دخل الغيضة الأخرى، وتوارى منى إلا منكبَه، فتناولتُه فأخذتُ بمنكبه فلم يلتفت إلىّ وقال: ما لك؟ قلتُ: أسألك عن دين إبراهيم
---------------
(¬١) في متن ل "المكاتِب" وبهامشها اقرأ مع جولد تسيهر "مكاتَب" وقد وردت الكلمة في ث دون ضبط. وضبطت في سير أعلام النبلاء ضبط قلم في الموضع الماثل بالفتحة.