كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 5)

ووضعوا هداياهم بين يديه فسُرّ بها وأمر بقبضها وأمر لهم بجوائز وفضّل بعضهم على بعض، وقصّر لي فأعطانى شيئًا قليلًا لا ذِكرَ له، وخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهليهم وهم مسرورون ولم يَعْرِض عليّ رجل منهم مواساةً، وخرجوا وحملوا معهم الخمر فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبَى نفسى تَدَعُنى ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم الملكُ ويخبرون قومى بتقصيره بي وازدرائه إيّاى، فأجمعتُ على قتلهم، فلمّا كنّا ببُساق تمارضتُ وعصّبتُ رأسى فقالوا لي: ما لك؟ قلتُ: أُصَدَّعُ، فوضعوا شرابهم وَدَعَوْنى فقلتُ: رأسى يُصَدَّعُ ولكنى أجلس فأسقيكم، فلم ينكروا شيئًا فجلستُ أسقيهمِ وأُشْرِبُ القدح بعد القدح، فلمّا دَبّتِ الكأس فيهم اشتهوا الشراب فجعلتُ أصْرِفُ (¬١) لهم وأَتْرَعُ (¬٢) الكأسَ فيشربون ولا يدرون، فأهْمَدَتْهُم الكأسُ حتى ناموا ما يعقلون، فوثبتُ إليهم فقتلتُهم جميعًا وأخذتُ جميع ما كان معهم.
فقدمتُ على النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فأجده جالسًا في المسجد مع أصحابه، وَعَليَّ ثَيابُ سَفَرِى، فسلّمتُ بسلام الإسلام فنظر إلى أبو بكر (¬٣) بن أبي قحافة، وكان لي عارفًا، فقال: ابن أخى عروة! قال قلتُ: نعم، جئتُ أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله "فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: الحمد لله الذي هداك للإسلام. فقال أبو بكر: أمِنْ مصر أقبلتم؟ قلتُ: نعم، قال: فما فعل المالكيّون الذين كانوا معك؟ قلتُ: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب ونحن على دين الشرك فقتلتهم وأخذتُ أسلابهم، وجئتُ بها إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ليخَمِّسَها أو يرى فيها رأيه، فإنّما هي غنيمة من مشركين وأنا مسلم مصدّق بمحمّد، - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: أمّا إسلامك فقبلتُه ولا آخذُ من أموالهم شيئًا ولا أُخَمِّسه لأنّ هذا غَدْرٌ، والغدر لا خير فيه. قال فأخذنى مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، وقلتُ: يا رسول
---------------
(¬١) أي يسقيهم الخمر صرفا من غير مزج بالماء.
(¬٢) في المطبوع والمخطوط "أُنزِعُ" والمثبت من ابن عساكر في تاريخه والذهبى في السير وهما ينقلان عن الواقدي.
(¬٣) في المطبوع "فنظر إلى أبى بكر" والمثبت من ث، ومختصر تاريخ ابن عساكر ج ٢٥ ص ١٥٨.

الصفحة 174