كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 6)
وجاء صبى من صبيان الحسين يشتدّ حتى جلس فى حِجْر الحسين، فرماه رجل بسهم فأصاب ثُغْرَةَ نَحْرِه فقتله، فقال الحسين: اللهم إن كنتَ حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير فى العاقبة وانتقم لنا من القوم الظالمين (¬١).قال: وخرج القاسم بن حسن بن على وهو غلام عليه قميص ونعلان، فانقطع شِسْع نعله اليسرى، فحمل عليه عمرو بن سعيد الأزدى فضربه، فسقط ونادى: ياعماه، فحمل عليه الحسين فضربه فاتقاها بيده فقطعها من المرفق فسقط وجاءت خيل الكوفيين ليحملوه وحمل عليهم الحسين فجالوا ووطئوه حتى مات (¬٢).
ووقف الحسين على القاسم فقال: عَزّ على عَمِّكَ أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، يَوْمٌ كَثُرَ واتِرُه وقَلّ ناصِرُه، وبعدًا لقوم قتلوك، ثم أمر به فحمل ورجلاه تخطَّان فى الأرض حتى وضِعَ مع على بن حسين، وعَطِشَ الحسين، فاستسقى وليس معهم ماء فجاءه رجل بماء فتناوله ليشرب، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع فى فيه، فجعل يتلقى الدّم بيده ويحمد الله، وتوجه نحو المُسناة يريد الفرات، فقال رجل من بنى أبَان بن دارم: حولوا بينه وبين الماء، فعرضوا له فحالوا بينه وبين الماء، وهو أَمَامَهُم. فقال حسين: اللهم أظْمِه. ورماه الأبانى بسهم فأثبته فى حَنَكِه، فانتزع السهم وتلقى الدم فملأ كَفّه وقال: اللهم إنى أشكوا إليك ما فعل هؤلاء، فما لَبِثَ الأبانى إلا قليلًا حتى رئى وإنَّه ليؤتى بالقُلّة أو العس، إنْ كَانَ لَيَرْوِى عِدّة، فيشرَبَه فإذا نَزَعه عن فِيْه قال: أسقونى فقد قتلنى العطش فما زال بذلك حتى مات (¬٣).
وجاء شِمْر بن ذى الجوشن فحال بين الحسين وبين ثَقَله، فقال الحسين: رَحْلِى لكم عن ساعة مباح، فامنعوه مِن جُهّالِكم وطَغَامِكم وكونوا فى دنياكم أحرارا إذا لم يكن لكم دين، فقال شِمْر: ذلك لك يابن فاطمة. قال: فلما قتل أصحابُه وأهل بيته بقى الحسين عامّة النهار لا يُقْدِم عليه أحد إلا انصرفَ حتى
---------------
(¬١) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٨.
(¬٢) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٨.
(¬٣) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٩ - ٤٥٠.