وكان يَعْلَمُ عِلْمَه، وإذا دخل المدينة مستخفيًا جاء حتى ينزل في منزل عبد الله بن جعفر، ويغدو عبد الله فيجلس إلى الأمراء، ويسمع كلامهم والأخبار عندهم وما يخوضون فيه من ذكر محمد بن عبد الله، وتوجيه من توجّه في طلبه، فينصرف عبد الله فيخبر محمدًا ذلك كله. فلما خرج محمد بن عبد الله خرج معه عبد الله بن جعفر، فلما قُتل محمد بن عبد الله، اختفى فلم يزل مستخفيًا حتى استُؤْمِنَ له فَأُومن (¬١) فقال عبد الله بن جعفر: ما خرجنا مع محمد بن عبد الله ونحن نشكّ في أمره لما رُوِىَ لنا وشُبِّه لنا، ولا غَرّنى بعده أحد. فكان يُظهر الندامة على خروجه (¬٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لما جاء نعى أبي عمر بن واقد احْتبَسْتُ في البيت ثلاثة أيام، ثم غدوت فإذا أنا بعبد الله بن جعفر على بغلته عند سوق الحِنطة، فلما رآني حبس بغلته وقال: ما حَبَسك عنى؟ قد سألت جَحْدرًا - يعني غلامه -: أجاء فرددته، أم لم تعلمنى مكانه! ؟ فقال: ما جاء. فما حبسك عنى؟ قلت: جاء نعى أبي، فلم يكلّمنى كلمة حتى رد بغلته راجعًا، ثم جاءنى من بيته ماشيًا يعزّينى، فقلت: حفظك الله، ما أحب أَنْ تَتَعَنَّى (¬٣) وتجئ ماشيًا. قال: إنَّ أَحَبَّ ذاك إلىَّ أن أَقضِى فيه الحقَّ إليك أَشَقّه عَلَيَّ، ألم تسمع حديث أم بكر بنت المِسْور؟ قلت: لا. قال: حَدَّثتنى أم بكر بنت المِسور، أن المِسْوَرَ اعتلّ فجاء ابن عبّاس نصف النهار يعوده، فقال له المسور: يا أبا عبّاس هلّا ساعةً غير هذه، قال: فقال ابن عبّاس: إن أحب الساعات إلىَّ، أن أؤدى فيها الحق إليك أَشَقُّها عليّ (¬٤).
قال محمد بن عمر: ومات عبد الله بن جعفر بالمدينة سنة سبعين ومائة وهى السنة التي استخلف فيها هارون، وكان له يوم مات بضع وسبعون سنة وكان كثير الحديث صالحًا.
---------------
(¬١) فأُومن: قرأها زياد وتبعه عطا "فأمن" والمثبت من ث ومثله لدى ابن عساكر ص ٧٠ وهو ينقل عن ابن سعد.
(¬٢) أورده ابن عساكر ص ٧٨ نقلا عن ابن سعد.
(¬٣) تتَعَنَّى: قرأها زياد "تنعينى" وتبعه في خطئه عطا دون إعمال فكرٍ وَروية. والمثبت قراءة ث ومثلها لدى ابن عساكر ص ٧٧ وهو ينقل عن ابن سعد. وتَعَنَّى الأمرَ: تكَلَّفه على مشقة.
(¬٤) أورده ابن عساكر في تاريخه ص ٧٧ نقلا عن ابن سعد.