كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 7)

كان يذاكرنى به والجواب فيه، وكان الجواب على غير ما كان يجيب به القوم. فنظرتُ إلى القوم وتقطيبهم (¬١) لي، وأقبل يحيَى يسائلنى عن حديث كذا وحديث كذا فأجيب فيما يسألنى، والقوم سكوت ما يتكلَّم أحد منهم بشئ. فلمّا حضرت المغرب تقدَّم يحيَى فصلَّى، ثمّ أُحْضِرَ الطعام فتعشّينا، ثمّ صلَّى بنا يحيَى عشاء الآخرة وأخذنا مجالسنا، فلم نزل في مذاكرة، وجعل يحيَى يسأل بعض القوم فينقطع.
فلمّا كان وقت الانصراف انصرف القوم وانصرفتُ معهم فإذا الرسول قد لحقنى فقال: إنّ الوزير يأمرك أن تصير إليه في كلّ يوم في الوقت الذي جئت فيه يومك هذا. وناولنى كيسًا. فانصرفت ومعى رسول الحاجب حتى صرتُ إلى أصحابي وأصبتُ سراجًا عندهم فدفعتُ الكيس إلى القوم فكانوا به أشدّ سرورًا منى. فلمّا كان الغد قلتُ لهم: أعِدّوا لي منزلًا بالقرب منكم واشتروا لي جارية وغلامًا خبّازًا وأثاثًا ومتاعًا. فلم أصلّ الظهر إلّا وقد أعدّوا لي ذلك، وسألتهم أن يكون إفطارهم عندى فأجابوا إلى ذلك بعد صعوبة شديدة.
فلم أزل آتى يحيَى بن خالد في كلّ ليلة في الوقت كلّما رآنى ازداد سرورًا. فلم يزل يدفع إليَّ في كلّ ليلةٍ خمسمائة دينار حتى كان ليلة العيد فقال لي: يا أبا عبد الله تزيّنْ غدًا لأمير المؤمنين بأحسن زىّ من زىّ القُضاة، واعترضْ (¬٢) له فإنّه سيسألنى عن خبرك فأخْبره.
فلمَّا كان صبيحة يوم العيد خرجتُ في أحسن زِيٍّ، وخرج الناس، وخرج أمير المؤمنين إلى المصلّى، فجعل أمير المؤمنين يلحظنى، ولم أزل في الموكب.
فلمّا كان بعد انصرافه صرتُ إلى باب يحيَى بن خالد ولحقنا يحيَى بعد دخول أمير المؤمنين منزله فقال لي: يا أبا عبد الله ادخل بنا. فدخلتُ ودخل القوم فقال لي: يا أبا عبد الله ما زال أمير المؤمنين يسألنى عنك فأخبرته بخبر حجّنا وأنَّك الرجل الذي سايرتَه تلك الليلة، وأمر لك بثلاثين ألف درهم، وأنا متنجّزها لك غدًا إن شاء الله.
---------------
(¬١) لدى ابن عساكر "وتعظيمهم".
(¬٢) ابن عساكر "واعرض".

الصفحة 608