كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 9)

له مثل ذلك فتحرّج منه فقال: ما يحلّ لى من هذا إلّا ما حلّ لى من الأوّلين، قالت: فتركه، فبينما هو يسير على مُسَنّاة ضيّقة عن يمينه وعن شماله السماء إذ سمع خَوَايَةً (¬١) احتفزت لها دابّته فالتفت فإذا هو بسبّ ملفوف لا يدرى على ما هو فنزل، قالت: فأقدّر أنّه لو كان بين يديه لأبصره من ضيق مسيره، قالت: فنزل فلم يستطع أن يصرف دابّته من ضيق مسيره حتّى أخذ برأسها فتناوله عند رجل الدابّة، قالت: فإذا قطعة من سبّ ملفوف على دَوْخلة فيها رُطَب فأكل منها حتّى شبع ثمّ انطلق حتّى نزل على راهب فأتاه الراهب بقراه فأبَى أن يأكل منه فقال: يا عبد الله ما لك لا تأكل من قراى ولا أرى معك ثقلًا ولا طعامًا؟ قال: بلى، إنى قد أصبتُ كذا وكذا، قال: هل بقى معك شئ؟ قال: نعم، قال: فأطعمنى منه، فأعطاه الدوخلة، فقال له الراهب: يا عبد الله إنّك قد أُطعمت، ألا ترى النخل سُلُبًا ليس عليها شيء وإنّ هذا ليس بزمان الرّطَب، قالت: فأتانا بتلك القطعة السبّ فكان عندنا زمانًا فما أدرى كيف ذهب. قال إسحاق: والسبّ من السبيبة، قال عبد الله بن عمرو: قال الشاعر:
ألا يا أُمّ الأَسْود إنّ رأسى ... تَغَشّى لَوْنَهُ سِبٌّ جَديدُ
فَلَوْ أنّ الشّبابَ يُباعُ بَيْعًا ... لأعْطَيتُ المُبَايِعَ ما يُرِيدُ
وَلَكِنّ الشّبابَ إذا تَوَلّى ... عَلى شَرَفٍ فمَطْلَبُهُ بَعِيدُ
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن يونس عن الحسن قال: قال أبو الصهباء صِلة بن أشيم: طلبتُ الدّنيا مظَانّ حلالها فجعلتُ لا أصيب منها إلّا قوتًا، أمّا أنا فلا أعيل فيها، وأمّا هو فلا يجاوزنى، فلمّا رأيتُ ذلك قلتُ: أىْ نفسِ جُعل رزقك كفافًا فاربعى، فربعتْ ولم تكد.
قال: أخبرنا عفّان وغيره عن جعفر بن سليمان عن يزيد الرِّشْك عن مُعاذَةَ قالت: كان أبو الصّهباء يصلّى حتّى يأتى فراشه زحفًا أو ما يأتى فراشه إلا زحفًا (¬٢).
---------------
(¬١) الخواية الصوت.
(¬٢) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٤٩٧.

الصفحة 136