كتاب الطبقات الكبرى - ط الخانجي (اسم الجزء: 10)

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن عامر الأسلمى عن محمد بن يحيَى بن حَثان قال: جاء رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، بيت زيد بن حارثة يطلبه وكان زيد إنّما يقال له زيد بن محمّد، فربّما فقده رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، الساعة فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فُضُلًا (¬١) فأعرضَ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، عنها فقالت: ليس هو ها هنا يا رسول الله فادخُلْ بأبى أنت وأمّى. فأبَى رسول الله أن يدخل وإنّما عجلت زينب أن تلبس لما قيل لها رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، على الباب فوثبت عَجْلَى فَأَعْجَبَتْ رسولَ الله، فولّى وهو يُهَمْهِم بشئ لا يكاد يُفهَم منه إلا ربّما أعلن: سبحان الله العظيم سبحان مصرّف القلوب. فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أنّ رسول الله أتى منزله. فقال زيد: ألا قلت له أن يدخل؟ قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبَى. قال: فسمعتِ شيئًا؟ قالت: سمعته حين ولّى تكلّم بكلام ولا أفهمه، وسمعته يقول سبحان الله العظيم سبحان مصرّف القلوب. فجاء زيد حتى أتى رسول الله فقال: يا رسول الله بلغنى أنّك جئتَ منزلى فهلّا دخلتَ؟ بأبى أنت وأُمّى يا رسول الله لعلّ زينب أعجبتك فأفارقها. فيقول رسول الله: أمسِك عليك زوجك. فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم فيأتى إلى رسول الله فيخبره فيقول رسول الله: أمسِك عليك زوجك، فيقول: يا رسول الله أفارقها. فيقول رسول الله: احبس عليك زوجك. فَفَارَقها زيد واعتزلها وحلّت، يعنى انقضت عدّتها. قال: فبينا رسول الله جالس يتحدّث مع عائشة إلى أن أخذت رسول الله غشية فسُرّى عنه وهو يَتبسّم وهو يقول: من يذهب إلى زينب يبشّرها أنّ الله قد زوّجنيها من السماء؟ وتلا رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [سورة الأحزاب: ٣٧] القصّة كلّها. قالت عائشة: فأخذنى ما قرُب وما بعُد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هى أعظم الأمور وأشرفها ما صنع لها زوّجها الله من السماء. وقلت: هى تفخر علينا بهذا. قالت عائشة: فخرجتْ سلمى خادم رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، تشتدّ فتحدّثها بذلك فأعطها أوضاحًا عليها (¬٢).
---------------
(¬١) فُضُلًا: أى متبذلة في ثياب مهنتها، يقال: تفضلت المرأة إذا لَبِست ثياب مهنتها، أو كانت في ثوب واحد، فهى فُضُل (النهاية).
(¬٢) أورده ابن حجر في الإصابة ج ٧ ص ٦٦٨.

الصفحة 99