كتاب تاريخ الإسلام ت تدمري (اسم الجزء: 2)
مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ. فَنَحَرَ رَجُلٌ جَزُورًا فَسَأَلَهُ الْمَدَدِيُّ [1] طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ. وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ وَعَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ وَسِلَاحٌ مُذهَّبٌ، فَجَعَلَ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ. وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، فَخَرَّ وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ. فَأَخَذَهُ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلْبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ:
لَتَرُدَّنَّهُ أَوْ لَأُعِرْفَنَّكُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا، فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ» ؟ قَالَ:
اسْتَكْثَرْتُهُ. قَالَ: «رُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ» . فَقُلْتُ: دُونَكَ يَا خَالِدٌ، أَلَمْ أَقُلْ لَكَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَا ذَلِكَ» ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: «يا خَالِدُ لَا تَرُدَّهُ عَلَيْهِ. هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمَرَائِي، لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ] . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ [2] : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: أَنَا أَحْفَظُ حِينَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَلَى أُمِّي، فَنَعَى لَهَا أَبِي، فَأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِي وَرَأْسِ أَخِي، وَعَيْنَاهُ تُهْرِقَانِ الدُّمُوعَ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهمّ إِنَّ جَعْفَرًا قَدْ قَدِمَ إِلَيْكَ إِلَى أَحْسَنِ ثَوَابٍ [3] ، فَاخْلُفْهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ بِأَحْسَنَ مَا خَلَفْتَ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ فِي ذُرِّيَّتِهِ» . ثُمَّ قَالَ: «يَا أَسْمَاءُ، أَلا أُبَشِّرُكِ» ؟ قَالَتْ: بَلَى، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِجَعْفَرٍ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا في الجنّة» . قالت: فأعلم النّاس ذلك. وذكر الحديث.
__________
[1] المددي: الرجل من المدد الذين جاءوا يمدّونهم بمؤتة ويساعدونهم.
[2] انظر: المغازي للواقدي (2/ 766- 767) .
[3] في الأصل، ع: إليك أحسن ثوابه. والتصحيح من (ح) وفي الواقدي (2/ 767) : إلى أحسن ثواب.
الصفحة 489