كتاب تاريخ الإسلام ت تدمري (اسم الجزء: 7)
وَكَانَ الْفَرَزْدَقُ زِيرَ نِسَاءٍ وَصَاحِبَ زِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرَ الْجَاحِظُ، وَقَالَ:
وَكَانَ لا يُحْسِنُ بَيْتًا وَاحِدًا فِي صِفَاتِهِنَّ وَاسْتِمَالَةِ أَهْوَائِهِنَّ، وَلا فِي صِفَّةِ عِشْقٍ وَتَبَارِيحِ حُبٍّ، وَجَرِيرٌ ضِدَّهُ فِي إِرَادَتِهِنَّ، وَخِلافَهُ فِي وَصْفِهِنَّ، أَحْسَنُ خَلْقِ اللَّهِ تَشْبِيبًا، وَأَجْوَدُهُمْ نَسِيبًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ.
الأصمعيّ: ثنا أبو مودود، ثنا شفقل راوية الْفَرَزْدَقِ قَالَ: طَلَّقَ الْفَرَزْدَقُ امْرَأَتَهُ النَّوَّارَ ثَلاثًا، وَقَالَ لِي: يَا شَفْقَلُ، امْضِ بِنَا إِلَى الْحَسَنِ [1] حَتَّى نُشْهِدَهُ عَلَى طَلاقِ نَوَّارٍ، قُلْتُ: أَخْشَى أَنْ يَبْدُو لَكَ فِيهَا، فَيَشْهَدُ عَلَيْكَ الْحَسَنُ فَتُجْلَدُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَ: لا بدَ مِنْهُ، فَمَضَيْنَا إِلَى الْحَسَنِ فِي حَلَقَتِهِ، فَقَالَ لَهُ الْفَرَزْدَقُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ طَلَّقْتُ النَّوَّارَ ثَلاثًا، فَقَالَ: قَدْ شَهِدْنَا عَلَيْكَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ فَأَعَادَهَا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَأَنْشَأَ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ:
نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا ... مَضَتْ [2] مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوَّارُ
وَكَانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ مِنْهَا ... كَآدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُ الضِّرَارُ
فَلَوْ أَنِّي مَلَكْتُ يَدِي وَقَلْبِي [3] ... لَكَانَ عَلَيَّ لِلْقَدَرِ الْخِيَارُ
[4] وَرَوَى الأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّوَّارَ مَاتَتْ، فَخَرَجَ الْحَسَنُ فِي جَنَازَتِهَا، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، يَقُولُ النَّاسُ حَضَرَ هَذِهِ الْجَنَازَةَ خَيْرُ النَّاسِ وَشَرُّ النَّاسِ، فقال الحسن: لست بخير الناس ولست بشرهم، مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ يَا أَبَا فِرَاسٍ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَفِي رِوَايَةٍ:
مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً، قَالَ الْحَسَنُ: نَعَمِ الْعُدَّةُ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ:
أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ يُعَافِنِي ... أَشَدَّ مِنَ الْقَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا
إِذَا جَاءَنِي يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ ... عَنِيفٌ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ [5] الفرزدقا
__________
[1] أي الحسن البصري المشهور.
[2] في طبقات الشعراء لابن سلّام ووفيات الأعيان: «غدت» .
[3] في طبقات الشعراء ولو ضنّت يداي بها ونفسي.
[4] والأبيات الثلاثة في الأغاني 21/ 290 بتقديم وتأخير.
[5] في الأغاني 21/ 392 «يقود» .
الصفحة 214