كتاب تاريخ الإسلام ت تدمري (اسم الجزء: 15)

وقال محمد بن زكريّا الغلابيّ: ثنا مَهْديّ بن سابق قال: دخل المأمون يومًا ديوان الخَراج، فمرّ بغلام جميل على أُذنه قلم. فأعجبه حسنه فقال: من أنت؟
قال: الناشيء في دولتك، وخِرِّيج أدبك، والمتقلِّب في نِعمتك يا أمير المؤمنين، الْحَسَنُ بنُ رجاء.
فقال: يا غلام، بالإحسان في البديهة تفاضَلَت العقول.
ثم أمر برفع مرتبته عن الدّيوان، وأمر له بمائة ألف درهم [1] .
وعن إسحاق المَوْصِلّي قال: كان المأمون قد سخط على الخليع الشّاعر لكونه هجاه عند ما قُتِل الأمين. فبينا أنا ذات يوم عند المأمون إذ دخل الحاجب برُقْعة، فاستأذن في إنشادها. فأُذِن له، فقال:
أَجِرْني فإنّي قد ظَمِئْتُ إلى الوعدِ ... متى تُنْجزِ الوعدَ المؤكَّد بالعهدِ
أُعيذُكَ مِن خُلْف الملوك فقد ترى ... تقطُّعَ أنفاسي عليك من الوجدِ
أَيَبْخَلُ فردُ الْحُسْنِ عنّي بنائلٍ ... قليلٍ وقد أفردته بهوي فردِ [2]
إلى أن قال:
رأى اللَّهُ عبدَ اللَّهِ خيرَ عبادِهِ ... فمَّلكَهُ واللَّهُ أعلمُ بالعبد [3]
ألا إنّما المأمونُ للنّاسِ عِصْمةً ... مميِّزةً بينَ الضلالة والرُّشدِ [4]
فقال له: أحسنت.
قال: يا أمير المؤمنين أحسن قائلها.
قال: ومن هو؟
قال: عُبَيْدُك الحُسَين بن الضّحّاك.
فقال: لَا حيّاه اللَّهُ ولا بيّاه. أليس هو القائل:
فلا تمّت الأشياء بعد محمدٍ ... ولا زال شمل الملك فيها مبدّدا
__________
[1] المحاسن والمساوئ 437، والعقد الفريد 2/ 131.
[2] ورد هذا البيت في (بغداد لابن طيفور 171) و (تاريخ الطبري 8/ 662) :
أيبخل فرد الحسن فرد صفاته ... عليّ وقد أفردته بهوى فرد
[3] بغداد لابن طيفور 171، تاريخ الطبري 8/ 662.
[4] البيتان في (ربيع الأبرار) للزمخشري 4/ 250.

الصفحة 234